شروط الموقع

هام: حضرة الزائر: نلفت نظركم إلى أن بقية صفحات الكتب وروابطها لن تظهر سوى للأعضاء بعد تسجيل الدخول. بإمكانكم التسجيل في الموقع على الرابط التالي.

حِكْمَةُ العَلَوِيَّةِ وَعَدَالَتُهَا

©copyrights www.alawiyoun.com

تَأْبَى العَلَوِيَّةُ قَوْلاً وَفِعْلاً ، مَنْطِقَ الصَّلاحِيَّةِ المُطْلَقَةِ للحَاكِمِ ، بِمَعْنَى أَنْ يَفْعَلَ مَا يَشَاءُ ، مِنْ دُوْنِ حُدُوْدٍ ، وَضَوَابِطَ ، وَرَقِيْبٍ .
فَفِي مِنْهَاجِ حِكْمَتِهَا الَّذِي لا يُفَارِقُ كِتَابَ اللهِ ، فَإِنَّ للحَاكِمِ حُقُوْقاً تَجِبُ لَهُ ، وَوَاجِبَاتٍ تَجِبُ عَلَيْهِ ، لا بَلْ ـ هِيَ ـ أَوْجَبُ ، وَلَيْسَ ـ هُوَ ـ كَمَا كَانَ سَائِداً قَبْلَهَا ، وَبَعْدَهَا : أَنَّ الحَاكِمَ كَانَ يَحْكُمُ حَسَبَ أَهْوَائِهِ المُلْتَوِيَةِ ، وَمِزَاجِهِ المُنْحَرِفِ ، فَنَتَجَ مِنْ ذَلِكَ ظُلْمٌ لا يُطَاقُ ، وَمَازَالَتِ البَشَرِيَّةُ تُعَانِي بَعْضَ آثَارِهِ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ .

يَقُوْلُ مَوْلانَا أَمِيْرُ المُؤمِنِيْنَ عَلَيْهِ السَّلامُ ، فِي مِنْهَاجِهِ المُحَمَّدِيِّ :
" ثُمَّ جَعَلَ اللهُ ، مِنْ حُقُوْقِهِ : حُقُوْقاً ، فَرَضَهَا لِبَعْضِ النَّاسِ ، عَلَى بَعْضٍ ، فَجَعَلَهَا تَتَكَافَأُ فِي وُجُوْهِهَا ، وَيُوْجِبُ بَعْضُهَا بَعْضاً ، وَلا يَسْتَوْجِبُ بَعْضُهَا إِلاَّ بِبَعْضٍ .
فَأَعْظَمُ مَا اِفْتَرَضَهُ اللهُ ، تَبَارَك وَتَعَالَى ، مِنْ تِلْكَ الحُقُوْقِ : حَقُّ الوَالِي عَلَى الرَّعِيَّةِ ، وَحَقُّ الرَّعِيَّةِ عَلَى الوَالِي .
فَرِيْضَةً ، فَرَضَهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ ، لِكُلٍّ عَلَى كُلٍّ ، فَجَعَلَهَا نِظَامَ أُلْفَتِهِمْ ، وَعِزّاً لِدِيْنِهِمْ ، وَقِوَاماً لِسُنَنِ الحقِّ فِيْهِمْ ، فَلَيْسَتْ تَصْلُحُ الرَّعِيَّةُ إِلاَّ بِصَلاحِ الوُلاةِ ، وَلا تَصْلُحُ الوُلاةُ إِلاَّ بِصَلاحِ الرَّعِيَّةِ .
فَإِذَا أَدَّتِ الرَّعِيَّةُ إِلَى الوَالِي حَقَّهُ ، وَأَدَّى إِلَيْهَا الوَالِي كَذَلِكَ ، عَزَّ الحَقُّ بَيْنَهُمْ ، فَقَامَتْ مَنَاهِجُ الدِّيْنِ ، وَاِعْتَدَلَتْ مَعَالِمُ العَدْلِ ، وَجَرَتْ عَلَى أَذْلالِهَا السُّنَنُ ، فَصَلُحَ بِذَلِكَ الزَّمَانُ ، وَطَابَ العَيْشُ ، وَطُمِعَ فِي بَقَاءِ الدَّوْلَةِ ، وَيَئِسَتْ مَطَامِعُ الأَعْدَاءِ
" .

هَذَا هُوَ المِنْهَاجُ العَلَوِيُّ ، وَاضِحاً ، لِمَنْ أَرَادَ اِسْتِجْلاءَهُ ، فِي تَنْظِيْمِ شُؤونِ العِبَادِ وَالبِلادِ ، فَكَمَا أَنَّ للحَاكِمِ حُقُوْقاً ، يَجِبُ أَنْ تُدْفَعَ لَهُ ، فَكَذَلِكَ الأَمْرُ ، عَلَيْهِ وَاجِبَاتٌ ، يَجِبُ أَنْ يُؤَدِّيَهَا ، كَي تَسْتَقِيْمَ الأُمُوْرُ ، وَيَعِزَّ الحَقُّ ، وَيَرْسَخَ العَدْلُ ، كَوْنَهَا مِمَّا خَصَّهُ الإِمَامُ ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، فِي قَوْلِهِ :
" وَيُجْمَعُ بِهِ الفَيءُ ، وَيُقَاتَلُ بِهِ العَدُوُّ ، وَتَأْمَنُ بِهِ السُّبُلُ ، وَيُؤْخَذُ بِهِ للضَّعِيْفِ مِنَ القَوِيِّ " .
وَلَيْسَ عَكْسَ ذَلِكَ ، كَمَا غَلَبَ فِي أَوْقَاتٍ كَثِيْرَةٍ ، إِذْ خَالَفَتْ مَنَاهِجُ الحُكَّامِ ، عَنْ رُوْحِ الإِسْلامِ ، وَعَدَالَتِهِ ، وَسَمَاحَتِهِ.

وَمِنْ عَدَالَةِ العَلَوِيَّةِ، وَحِكْمَتِهَا : وُجُوْبُ إِخْضَاعِ الحَاكِمِ لِسُلْطَةِ القَضَاءِ، وَقَد اِتَّبَعَ مَوْلانَا أَمِيْرُ المُؤمِنِيْنَ ، هَذَا النَّهْجَ ، حِيْنَ مَثَلَ بَيْنَ يَدَي قَاضٍ، مِنَ القُضَاةِ الَّذِيْنَ عَيَّنَهُمْ بِنَفْسِهِ، وَفِي هَذَا أَجْمَلُ صُوَرِ العَدْلِ، وَأَجَلُّ أَمْثِلَةِ الإِنْصَافِ .
وَذَلِكَ ، حِيْنَ يَتَسَاوَى الحَاكِمُ وَالرَّعِيَّةُ ، بَيْنَ يَدَي القَضَاءِ ، وَيَكُوْنَانِ تَحْتَ سَقْفِ القَانُوْنِ ، لأَنَّ ذَلِكَ القَانُوْنَ : قَانُوْنٌ إِلَهِيٌّ .
فَصَلاحِيَّاتُ الحَاكِمِ ـ هِيَ ـ تَطْبِيْقُ العَدَالَةِ الإِلَهِيَّةِ ، بَيْنَ الرَّعِيَّةِ، وَعَدَمُ خَرْقِ القَوَانِيْنِ المُتَّبَعَةِ ، الَّتِي هِيَ : قَوَانِيْنُ إِلَهِيَّةٌ ، كَمَا أَسْلَفْنَا .
فَلا يَجُوْزُ الخُرُوْجُ عَنْهَا، بِأَيِّ حَالٍ ، لأَنَّ فِي ذَلِكَ خَرْقاً للعَدَالَةِ ، وَنَكْثاً بِعَهْدِ اللهِ ، وَتَدْمِيْراً للمُجْتَمَعِ الإِنْسَانِيِّ .

إِنَّ القَوَانِيْنَ الأَرْضِيَّةَ ، وَالتَّنْظِيْمَاتِ المَدَنِيَّةَ ، مَهْمَا عَلَتْ وَتَسَامَتْ ، فَإِنَّهَا لا تَرْقَى إِلَى أَدْنَى دَرَجَةٍ ، مِنْ دَرَجَاتِ النَّهْجِ العَلَوِيِّ ، لأَسْبَابٍ كَثِيْرَةٍ ، أَكْتَفِي بِذِكْرِ أَحَدِهَا ، وَهُوَ : أَنَّ أَكْثَرَ الَّذِيْنَ يُشَرِّعُوْنَ هَذِهِ القَوَانِيْنَ ، لا يَلْتَزِمُوْنَ بِهَا ، وَلا يُجْرُوْنَهَا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ، بَلْ يَتَلاعَبُوْنَ بِهَا ، بَيْنَ الحِيْنِ وَالآخَر ، لِمَصَالِحَ شَخْصِيَّةٍ تَضِيْعُ الحُقُوْقُ بِسَبَبِهَا .
وَلَمْ يَقِفْ مَوْلانَا أَمِيْرُ المُؤمِنِيْنَ، عِنْدَ حُدُوْدِ تَطْبِيْقِ هَذِهِ القَوَانِيْنِ ، عَلَى نَفْسِهِ ، بَلْ أَوْصَى عُمَّالَهُ عَلَى البِلادِ ، بِتَرْسِيْخِ هَذَا المَنْطِقِ ، وَجَعْلِ هَذِهِ الأُصُوْلِ وَالقَوَاعِدِ دُسْتُوْراً يَعْمَلُ بِهِ ، كُلُّ مَنِ الْتَزَمَ نَهْجَ العَلَوِيَّةِ ، وَلَوْ تَأَمَّلْنَا فِي العَهْدِ العَلَوِيِّ الشَّهِيْرِ ، الَّذِي عَهِدَ بِهِ أَمِيْرُ المُؤمِنِيْنَ ، لِعَامِلِهِ عَلَى مِصْرَ ، الصَّحَابِيِّ الجَلِيْلِ ، مَالِك اِبْنِ الحَارِثِ الأَشْتَرِ النَّخَعِيِّ ، لَوَجَدْنَا أَنَّهُ يَحْمِلُ رُوْحِيَّةَ القَوَانِيْنِ السَّامِيَةِ ، وَأُسُسَ التَّنْظِيْمَاتِ المُتَسَامِيَةِ ثُمَّ إِنَّ العَدَالَةَ المَنْشُوْدَةَ ، تَجَلَّتْ فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ ، مِنْ زَوَايَاهُ ، فِي أَبْهَى صُوَرِهَا ، وَهُوَ ـ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ ـ يَصْلُحُ أَنْ يَكُوْنَ أَصْلاً ، لِكُلِّ فَرْعٍ مِنْ فُرُوْعِ العَدَالَةِ الإِنْسَانِيَّةِ ، وَمَا ذَلِكَ إِلاَّ لأَنَّ مُؤَصِّلَهُ هُوَ رَمْزُ العَدَالَةِ وَالإِنْصَافِ ، فِي العَالَمِ الإِنْسَانِيِّ ، بَعْدَ النَّبِيِّ الكَرِيْمِ ( ص ) .

إِنَّ العَلَوِيَّةَ قَيَّدَتِ الحَاكِمَ ، وَلَمْ تُطْلِقْ لَهُ الصَّلاحِيَّاتِ ، كَمَا تَشْتَهِي بَعْضُ النُّفُوْسِ .
قَيَّدَتْهُ بِقُيُوْدِ الشَّرِيْعَةِ الغَرَّاءِ ، فَلَمْ تَسْمَحْ لَهُ بِالخُرُوْجِ عَنْهَا ، لأَنَّ الخُرُوْجَ عَنْ عَدَالَتِهَا ، يُوْجِبُ الخُرُوْجَ عَلَيْهِ ، وَتَصْنِيْفَهُ بِالحَاكِمِ الجَائِرِ ، الَّذِي لا يَجُوْزُ الرُّجُوْعُ إِلَيْهِ ، وَلا تَجِبُ طَاعَتُهُ ، لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ ، وَآلِهِ ، وَسَلَّمَ ـ: " إِنَّ مِنَ اليَقِيْنِ ، أَنْ لا تُرْضِيَ أَحَداً بِسَخْطِ اللهِ " .
رُوِيَ : أَنَّ رَجُلاً مِنَ الخَوَارِجِ ، سَبَّ أَمِيْرَ المُؤمِنِيْنَ ، فِي وَجْهِهِ ، فَهَمَّ أَصْحَابُهُ ، بِقَتْلِهِ ، فَمَنَعَهُمْ قَائِلاً: " رُوَيْداً : إِنَّمَا هُوَ سَبٌّ بِسَبٍّ ، أَوْ عَفْوٌ عَنْ ذَنْبٍ " .
فَلَوْ وَازَنَّا بَيْنَ فِعْلِ الإِمَامِ ـ وَلا مُقَايَسَةَ ـ وَبَيْنَ أَفْعَالِ الحُكَّامِ ، مِنْ أَعْمَالٍ هَمَجِيَّةٍ ، عَلَى مَنْ يَسُبُّهُمْ ، أَوْ : حَتَّى يَنْتَقِدُ كَلامَهُمْ ، لَكَانَ فَرْقاً كَبِيْراً ، وَبَوْناً بَعِيْداً ، بَيْنَ العَدَالَةِ العَلَوِيَّةِ ، الَّتِي يُوَافِقُ قَوْلُهُا فِعْلَهَا ، وَبَيْنَ مَا يَدَّعِيْهِ الحُكَّامُ مِنْ مُحَافَظَتِهِمْ عَلَى العَدَالَةِ ، ثُمَّ تُكَذِّبُ أَفْعَالُهُمْ ، أَقْوَالَهُمْ .

وَخَاتِمَةً ، أَقُوْلُ :

إِنَّ المِنْهَاجَ العَلَوِيَّ ، لَيْسَ كَالمَنَاهِجِ الَّتِي نَمَتْ شَيْئاً فَشَيْئاً ، وَاِسْتَمَدَّتْ مِنْ غَيْرِهَا ، بَلْ : بَزَغَ بَدْرُهَا كَامِلاً ، وَتَفَرَّعَ شَجَرُهَا شَامِلاً ، فَكَانَ الأَصْلَحَ لِحَيَاةٍ مُثْلىً للبَشَرِيَّةِ جَمْعَاءَ .
وَمَنْ يَرَى خِلافَ ذَلِكَ ، فَإِنَّنَا نُحِيْلُهُ عَلَى مَدْرَسَةِ أَمِيْرِ المُؤمِنِيْنَ ، عَلِيِّ بن أَبِي طَالِبَ ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، الَّذِي قَالَ فِيْهِ ـ صَاحِبُ الشَّرِيْعَةِ الغَرَّاءِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ، وَسَلَّمَ ـ: " مَنْ أَرَادَ المَدِيْنَةَ ، فَعَلَيْهِ بِالبَابِ " .

وَفِي هَذَا كِفَايَةٌ ، لِذَوِي الأَلْبَابِ.