شروط الموقع

هام: حضرة الزائر: نلفت نظركم إلى أن بقية صفحات الكتب وروابطها لن تظهر سوى للأعضاء بعد تسجيل الدخول. بإمكانكم التسجيل في الموقع على الرابط التالي.

الدَّين

©copyrights www.alawiyoun.com

الدَّين لغةً : هو الانقياد والطاعة، من قوله تعالى: ﴿ وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا ﴾ النحل\ 52\. أي الطاعة دائماً، والانقياد والطاعة يفيدان معنى العلم والعمل لأن الانقياد الصحيح لا يكون إلا عن بصيرة والطاعة المقبولة لا تكون إلا بإخلاص كامل لله تعالى وعليه فإن الدين هو الانقياد عن بصيرة والطاعة بإخلاص.

ويأتي بمعنى الجزاء والالتزام من قول الرسول صلى الله عليه وآله: ( كما تُدين تُدان ). أي بقدر ما يلتزم العبدُ من عقيدةٍ ثابتة وعمل خالص وخلق كريم يجازى يوم القيامة.

ويأتي بمعنى الحق من قوله تعالى ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ ﴾ النور\2. أي في حق الله جل وعلا.

ويأتي بمعنى التوحيد من قوله تعالى: ﴿ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ﴾ الزمر 3\ أي التوحيد الخالص المنزه عن الشرك.

ومن معانيه أيضاً (الأحكام والتعاليم والوصايا) التي توجه الإنسان في سلوكه وفقاً لمشيئة الله لقوله تعالى: ﴿ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾ التوبة 122 .

والدين في الاصطلاح العام يُطلق على مجموعة العقائد الأصولية والشرائع الفقهية والأخلاق الإيمانية وهو عبارة عن وضع الهي سابق لذوي العقول باختيارهم المحمود إلى الخير بالذات قلبياً كان أو قالبياً.

ومن خواصه : أنه يصرف النفوس عن شهواتها ، ويعطف القلوب عن إرادتها حتى يصير قاهراً للسرائر زاجراً للضمائر رقيباً على النفوس في خلواتها نصوحاً لها في مهماته هذا في حال التزم العبد به.

وغايته: الإقرار بوجود إله خالق ما يُرى وما لا يرى، والقيام بعبادته بامتثال أوامره والانتهاء عن نواهيه.

وثمرته: جنة عرضها السمواتُ والأرض أعدت للمتقين.

قال العلامة الفيلسوف الشيخ كامل صالح معروف :

فالدين قديم بقدم الإنسان ، وهو حاجةٌ ضرورية ملحة لا بد منها لكل ذي عقل، وهو ريٌ وغذاء ، ونور وضياء للنفس الهائمة المتعطشة إلى معرفة الوجود، واكتناه سره، وهو ظاهرةٌ عميقة الجذور في النفس البشرية، وهو الذي يحقق لها معناها ، ويقّومُ معوجها، ويعطيها هداها، وبه حياة الضمير، وقوام الوجدان، وهو منزل الرحمة في القلوب ومناطُ آمالها ورجائها.

لقد حاول الإنسان منذ وجد على هذه الأرض أن يفهم سر الكون ويفسره، وان يصل إلى معرفة حقيقته فتكلم بالأزلية والأبدية 1 والزمــان والمكان ، والمحسوس والمعقول ، وتحدث عن الطبيعة 2 وما وراءها، واكتشف كثيراً من القوى المودعة فيها وسخرها لصالحه في معاشه، ولكن كل ذلك لم يكشف الغموض ولم يقف به إلا على الحيرة وهو لا يزال يفسره ويفرض الحلول اللامتناهية، ولكن الغموض لا يزال يزدادُ ويزداد.

فهل يصل إلى اكتشاف السر بعقله الذي يجهل ذاته ؟ وذلك سؤالٌ لم يحظ بجواب.

لقد قالوا بالجاذبية وأثبتوا وجودها بما رأوا من آثارها ولكن هل عرفوا حقيقتها ومصدرها؟

وتحدثوا عن الحياة وأطالوا وفتشوا عنها فلم يعرفوا ولم يدركوا من أمرها شيئاً، ثم ذكروا الفكر والعقلَ وما من تلعة إلا وأصعداهم فيها ولا وادياً إلا وهبط بهم فيه فما هو الفكر ومن هو العقل؟ وما سر ارتباط هذا اللطيف بالجسم الكثيف ؟

فقالوا تلكـم تفاعلات في الدماغ، كما قالوا إن الحياة وثبة حيوية من عمق الوجود ، لقد فتشوا الدماغ ليعلموا، وجميع الأجسام الحية فوجدوا الأعضاء الحية ولكنهم لم يجدوا الحياة ثم وجدوا المراكز التي قالوا إن الفكر فيها ولكن ماذا وجدوا لم يجدوا إلا اللحم والدم أما ساكنهما فما وقفوا له على عين ولا اثر.

أما الدين فقد أشار إلى الجواب لمن كان ذا قلب أو ألقى السمع وهو شهيدٌ، فقد علم المبدأ والمعاد، والأزلية والأبدية والزمان والمكان والطبيعة وما وراءها، وعرف الحياة الدنيا وما بعدها من الدار الآخرة وأهاب بالإنسان لكي يتوجه إلى الله الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى بالحكمة الإلهية، والعناية الربانية فألقى بذلك في النفوس عزاءً ورجاء، ونوراً وضياءً فكان لها هادياً وسراً في القلوب سارياً.

وقال العلامة الفيلسوف الشيخ يونس حمدان\بيصين :

والدين والدنيا ضرتان تتنازعان البقاء في هذا العالم وكل واحدة منهما تعرض نفسها أمام الإنسان السائر في الظلمات، فالدين يعطيه الهداية، ويدله على الحق، ويسكب في نفسه ما يرفعه عن ماديته الكثيفة فهو يحقق ذاته ويرفعها نحو كمالها اللائق بكرامة الإنسان، إنه السبيل إلى كل خير والداعي إلى كل فضيلة، والرافع راية الإيمـان بالله تعالى، وهو الذي ينير آفاق النفس ويوجهها نحو ذلك الجو المنغوم المأنوس إلى أن تصل إلى كمالها في الإنسانية، وتصفو من أدران ماديتها وتلك هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها.

والدنيا تُغري المرءَ فيها وتتزين له في جلباب الشهوات وملاذ البدن فتثير أطماعه وتشب غرائزه ونزواته فينطلق في مساقها ويركض ورائها فهو منها في تعب وعناء ولذة وألم إلى أن يصبح عبداً للجسد مسخر لأهوائه وأحلامه في الحياة فكلما وصل إلى شيء طلب غيره ولاح له ما هو أكثر إغراءً إلى أن يصل إلى النهاية المحتومة فيخرج منها بلا شيء فهو في حياته كشارب ماء الملح كلما شرب منه ازداد ظمأً مسخراً أثمن ما فيه وهو الحياة لسد حاجات هذا الجسد البالي التي لا تنقضي وليس لها حد ولو عاش الابد.

وفي بسطها عند المماة إشارة   آلا فانظروا أنى خرجت بلا شيء

وهو مع علمه بما يؤول إليه أمره فهو متشبت بهذه الحياة ويعمل للخلود ولو بآثاره أو أولاده، ولكن من أين وآنى يكون له والله يرثُ الأرضَ ومن عليها وكل شيء هالك إلا وجهه.

وإنّ حاجة الإنسان إلى الدين كحاجته إلى الماء والغذاء والهواء بل اكثر بكثير لأن الدين حياة الأرواح والأجساد معاً فهو ينظم الحياة الإنسانية تنظيماً دقيقاً ويسير بها سيراً وثيقـاً، وهذا التنظيم الإلهي ليس تقييداً كما يتصور المقصرون، وإنما هو سبيل إلى حياة مثلى ينعم بها السالك المستقيم في حاضره باتباع أوامر الله ، وفي مستقبله بالفوز بجنات الله.

وأمّا كون الدين حياة الأرواح فلأنه سر تألقها ونقائها وعزها وانشراحها فهو يهيؤها لحياة أبدية دائمة النعيم برضوان الله وجناته مع الأبرار والصديقين.

أما كونه حياة الأجساد فلأنه يتعبدها بالعمل الصالح ويجنبها المحرمات التي تهوى صاحبها بأليم العذاب.

فالدين هو الدستور الإلهي المقدس الذي وضعه الله لعباده لكي يسيروا وفق منهاجه الكامل حتى لا يختل نظام المجتمع الإنساني وتسود فيه شريعة الغاب كما نشهد الآن وقد تخلى أكثر الناس عن الدين ومبادئه القيمة وقوانينه المحكمة ، وغاصوا في لجج الإلحاد وسرادق المتع الشيطانية والماديات الزائلة التي تذهب بصاحبها حتى تخرجه عن حدود الإنسانية.

وبالنتيجة فالدين والملة متحدان بالذات ، ومختلفان بالاعتبار ، فإن الشريعة من حيث أنها تطاع تسمى ديناً (وذلك لضرورة التزام من استن بها بإطاعة المُشرع وإقامة الحدود وقبول أحكامها نصا ًواتفاقا عندما يجمع الفقهـاء على إقرار أمر ما بأدلــة مُستقاة من أسانيد المُشرع حيث لا اجتهاد في مورد النص ، وتُسمى مِلّة عندما تجمع فئة دون أخرى.
والفرق بين الدين والملة هو أن الدين منسوب إلى الله عز وجل لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ﴾ آل عمران/19.
والملة منسوبة إلى النبي ص من حيث أنها سيرته وسنته، أو إلى الأمة لقوله تعالى : ﴿ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ﴾ البقرة/135.
فلهذا يقال دين الله وشريعته ، ولا يقال ملة الله، والدين في عرف القرآن أعم من الشريعة والملة. والله أعلم .

  1. 1. الأزل استمرار الوجود في أزمنة مقدرة غير متناهية في جانب الماضي،كما أن الأبد استمرار الوجود في أزمنة مقدرة غير متناهية في جانب المستقبل.
  2. 2. الطبيعة :عبارة عن القوة السارية في الأجسام بها يصل الجسم إإلى كماله الطبيعي.