شروط الموقع

هام: حضرة الزائر: نلفت نظركم إلى أن بقية صفحات الكتب وروابطها لن تظهر سوى للأعضاء بعد تسجيل الدخول. بإمكانكم التسجيل في الموقع على الرابط التالي.

لمحة عن حياة المجاهد الشيخ صالح العلي، وفيها خطابه البليغ الذي ألقاه في دمشق في عيد الجلاء عام 1946م.

©copyrights www.alawiyoun.com

  وُلد المجاهد العظيم كما جاء في بطاقته الشخصية سنة 1300 هـ الموافق لسنة 1882م في قرية المريقب، قضاء الشيخ بدر، وترعرع على يد والده الشيخ علي سلمان صاحب الكرامات الباهرة وذي الإيمان الوطيد، والدته: حبابة ابنة الشيخ علي عيد المعروف بنسبه الفاطمي ومركزه الديني، فالشيخ صالح العلي شريف النسب أباً وأمّاً، فأبوه فاطمي وجدّه لأمه فاطمي فهو كريم النبعتين.

  وعند بلوغه السادسة من عمره وضع له والده معلماً يُلقّنه دروسه الأوّلية، وهذا المعلم هو: الشيخ حمدان الخطيب، من قرية بشراغي قضاء جبلة، وهذا الشيخ هو معلّم عدد من العلماء منهم:
الشيخ يوسف علي الخطيب، وأخيه الشيخ سليمان، وعلّم الشيخ العلاّمة سليمان الأحمد عضو المجمع العلمي في دمشق والد الشاعر الكبير بدوي الجبل.
فنهل الشيخ صالح من هذا النبع ما استطاع من العلوم الدينية، وتعلّم الفقه الجعفري حتى أصبح في طليعة رجالات الدين والفقه في الساحل السوري.

  وقد كتب الشيخ صالح العلي قصيدة يمدح بها هذا المعلم الفقيه الورع الشيخ حمدان الخطيب مطلعها:

بدأت باسم الله في سورة الحمد   ونزّهت بالإخلاص للأحـد الفرد
وسرت على نهج الطريقة تابعاً   مقالــة إخــوانٍ محضتهــم ودّي
وأخلاق حمدان الخطيب وفضله   وأوصافه لم تحصها أبحُرُ العَدّ
سقــاني من سـرّ الولايـــة نهلـــة   نميرية أحلى مذاقاً من الشهـد

  وبعد وفاة والده الشيخ علي سلمان بويع بالزعامة خلفاً عنه لما كان يتمتّع به من أخلاقٍ ودينٍ فكان خير خلف لخير سلف.
ولما كانت سنة 1917م قام الشيخ بعدّة محاولات ضد الإستعمار العثماني في آخر احتلاله محاولاً رفع الظلم عن أبناء بلده بما يستطيع من إمكانات بسيطة، وقد لاحقه العثمانيون وحبسوا من رجاله المجاهد أحمد عيسى حسن الذي أسماه الشيخ بعد نجاته من أيديهم (سليم زينة).

  وإنّ أول رصاصة أُطلقت في وجه الإستعمار الفرنسي كانت في أواخر عام 1918م من بندقية المجاهد الشيخ صالح العلي عندما حط الفرنسيون رحالهم على شاطئ طرطوس، وقد قُتل يومها عدد كبير من الفرنسيين، ولولا نيران البوارج الحربية الراسية في البحر قبالة الشاطئ السوري ما كان ليخرج أي فرنسي حياً من تلك المعركة، لكنّ الشيخ اضطر للإنسحاب تحت وابل قذائف المدفعية إلى مقرّ الثورة في قرية الرستة قضاء الشيخ بدر.

  لقد استمرت ثورة الشيخ ثلاث سنوات ونصف فكانت أطول الثورات السورية وأشرسها، وقد أذاقت الفرنسيين الويلات وكبّدتهم خسائر كبيرة بالأرواح والعتاد، وكفى بالشيخ صالح فخراً أن يُطالب به الشارع الفرنسي في تلك الأثناء بأن يُقاد حافياً مُكبّلاً بالأغلال في شوارع العاصمة باريس وذلك لكثرة ما قتل من الجنود الفرنسيين.

  وبعد انتهاء الثورة عام 1921م حاول الفرنسيون تسليم المجاهد الشيخ صالح العلي المنصب الذي يُريد لكنّ الشيخ رفض وآثر البقاء في منزله بقرية الرستة متنسكاً عابداً وزاهداً بكل مغريات الحياة، وقضى بقيّة عمره يُساعد الفقراء ويحنّ على اليتيم ولا يقصده أحد بحاجة إلاّ ويقضيها له، وعينه وروحه تتأمّل الحريّة لهذا الوطن والتي عاشها الشيخ في 17 نيسان 1946 حين أجلى آخر جندي فرنسي عن أرض الوطن، ومن منّا لم يقرأ مطلع القصيدة التي يُخاطب بها الفرنسيين بقوله:

بني الغرب لا أبغي من الحرب ثروة   ولا أترجّى نيلَ جاهٍ ومنصبِ
ولـكـنّـنــــي أسـعـــى لـعــــزّة مـــوطــــــنٍ   أبيٍّ إلى كًلّ النفوس مُحَبّبِ

  وقد انتقل المجاهد الشيخ صالح العلي إلى جوار ربّه في 13 نيسان من عام 1950م في محافظة طرطوس، ليُشيّع جثمانه الطاهر في موكبٍ مَهيبٍ إلى مدفنه في قرية الرستة، وقد بكاه كل وطنيّ مُخلص لوطنه وكُل عربيّ مُحب للحريّة التي نذر الشيخ نفسه لها، فرحم الله الشيخ صالح وأسكنه فسيح جنانه.

  ونختم هذه المقدمة بهذا الخطاب البليغ للمجاهد الشيخ صالح العلي الذي ألقاه في دمشق في عيد الجلاء عام 1946م إذ قال:

  السلام عليكم يا إخواني المجاهدين.
السلام عليك يا مهد العروبة النقية –يادمشق.
السلام على كل عربي صادق مخلص، قال الله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾ .

  أيها السادة:
إنّ ضجّة هذا العيد السعيد وروعة هذا الإحتفال المَهيب، وعظمة هذا النصر المُبين، لتغرقني في ضجيجٍ من الذكريات، أتمثّل فيها سِنٍيِّ الثلاث والنصف في النضال الدائم ومعاركها المستمرّة، وهي معارك لم يتعرّف نظر ثائرٍ على أشدّ منها فتكاً ولا أروع هولاً ولا أطول مدّة ولا أكبر ضحايا، فالحمد لله الذي أحياني حتى رأيت نتائج جهاد الأمّة، وحتى رأيت الشعب يقطف ثمرات جهاده الطويل.
وإنّي أتمثّل الآن إخواني الأبطال الذين سقطوا صرعى في ميادين الشرف والجهاد، أولئك البواسل الذين جاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فما تراخت لهم عزيمة وما فترت لهم همّة، وما ضعُفَت في نفوسهم حدّة القتال، ولا خمدت فيها جذوة النضال ﴿ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ.. ﴾ فأمّا الذين قضوا في سبيل الله والوطن، وأمّا الذين ينتظرون فهم يعتقدون أنّ إنكار الذات والبُعد عن التبجّح والنفرة عن المظاهر إن هي إلاّ نوعٌ من الجهاد، بل من أقدس واجبات الجهاد والله لا يضيع أجر من أحسن عملا.

  أيّها السادة:
إنّ الإستقلال الذي نتمتع به بعد الآن طليقاً من كُل قيد، نقياً من كل شائبة، إن هو إلاّ ثمرة جهاد طويل أُريقت فيه دماءٌ زكيةٌ، واستشهد فيه أناسٌ كثيرون ﴿ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾.
وإنّ هذا اليوم الضاحك الطروب الذي تنفست فيه أنجاد سوريا ووهادها الصعداء لهو الحلم الهانئ الذي أغمض عليه الشهداء أعينهم تحت أزيز الرصاص ودويّ المدافع، وهو اليوم الذي سُفكت من أجله دماء الأبطال في جبال العلويين والدروز والزاوية وفي كل بقعة من بقاع هذا الوطن العزيز، إنّه يوم الفصل الذي كنتم توعدون، فتحيّة العروبة والجهاد نهديها إلى أرواح أولائك المجاهدين، الذين ما انفكّوا يضربون بسيف عقيدتهم الراسخة، ويطعنون بسنان إيمانهم الصادق أكباد السياسة الخائنة، التي عاثت فساداً بحظائر هذا الوطن حتى أذهب الله عنه رجس الإستعمار وطهّره تطهيراً، الحمد لله الذي صدقنا وعده ﴿ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾.

ولكنّ المجاهدين السوريين لا يعتبرون أنّ واجبهم في الجهاد قد انتهى ما لم تُجْلَ الجيوش الأجنبية عن كافة الأقطار العربية.

  أيّها السادة:
أحب أن لا تقعد بكم سلافة الفوز عن القيام بالواجبات المفروضة على كل منكم تجاه أمّته وبلاده، وهي واجباتٌ جسيمةٌ تتطلب منكم السهر والحذر والعمل بلا إبطاء والجِدّ بلا تهاون، فالبلاد الآن بأمسّ الحاجة إلى أبنائها العاملين ورجالها المخلصين لإصلاح ما أفسده المستعمر وللقضاء على طائفية بغيضة ورجعية مقيتة. فنحن لا نزال في صميم الجهاد، ولقد انتهينا من جهادٍ أصغر إلى جهادٍ أكبر، ونحن أحوج ما نكون إلى التكاتف والتضامن وإلى الإخاء والتعاون، وإنّ أيّ انحلال في الصفوف من شأنه أن يُؤثّر على سفينة الإصلاح.
وقد قال الله تعالى ﴿ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾.
وإنّ إيثار الصالح العام على الصالح الخاص هو فرضٌ واجبٌ على كل وطنيٍّ مُخلص، وإنّ الأمور لا تستقيم إلاّ إذا عرف كل واحدٍ من الأمّة واجبه فقام به خير قيام ﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ ﴾ ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ ﴾.

  حيّوا معي هذا العلم المُفدّى، واهتفوا باسم سورية الحبيبة، وباسم فخامة السيد شكري القوتلي قائد نهضتنا الجبارة المظفرة، والسلام عليكم.