شروط الموقع

هام: حضرة الزائر: نلفت نظركم إلى أن بقية صفحات الكتب وروابطها لن تظهر سوى للأعضاء بعد تسجيل الدخول. بإمكانكم التسجيل في الموقع على الرابط التالي.

ملابسات في فهم وتطبيق حكم قطع يد السارق.. بقلم عيد عبد الحميد

©copyrights www.alawiyoun.com

بســم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله الأحد المعبود الأزل القادر الموجود والصلاة والسلام على النبي المحمود وآل بيته الأبرا وعلى صحبه الأخيار ومن تبعهم بإحسان الى يوم الدين .... وبعد ....

  لما وجدنا أن ساحة الشرع وواحة الدين أجترأ عليها الظالمين والمتطفلين وسرح ومرح بها الأدعياء والظالمين وثُلة من المخرفين المجانين ممن جعل شرعه هواه فأضله وأرداه ... وانطلاقاً من واجبنا ومسؤوليتنا تجاه هذا الدين الحنيف وجب علينا التبيان والإيضاح لذوي الأذهان ... (موضوعنا هو ملابسات في فهم وتطبيق حكم قطع يد السارق )

  بداية ومما لا شك فيه وخلاف عليه بين أغلبية علماء الأمة بستثناء بعض المخرفين والمحرفين أن الذكر الحكيم بيان إلهي حكيم حارت في بحر شطه أبكار العقول واتفقوا أيضاً على أنه كتاب حمّال أوجه فيه علم ما كان وما يكون لقول الأمام علي عليه السلام ( ما نزلت على رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) آية إلاّ أقرأنيها وأملاها عليَّ فكتبتها بخطي ، وعلّمني تأويلها وتفسيرها ، وناسخها ومنسوخها ، ومحكمها ومتشابهها ، وخاصّها وعامّها ، ودعا الله لي أن يعطيني فهمها وحفظها ؛ فما نسيت آية من كتاب الله تعالى ، وعلماً أملاه عليَّ وكتبته منذ دعا الله لي ).
  وعن رسول الله (ص) (إن للقرآن ظهراً وبطناً ولبطنه بطناً إلى سبعة أوجه) .
  وليس يتسنى لكل أحد فهمه وتصريف كلامه والخوض فيه معانيه يتطلب بالدرجة الأولى اتباع لأحكام الأئمة ولتكن هي المنطلق للتفسير واستخراج الأصول لأنهم هم المخوّلون دون غيرهم في تأويل الكتاب، وحديث الثقلين خير شاهد وأكبر دليل بأمر من رسول الله (ص) أن إرجعوا إلى عترتي في فهم أمور دينكم.
  وعندما أهمل المسلمون هذه القواعد والأعتبارات ووقفوا على سطحية الألفاظ وجمود الفكر على الظاهر لأن القرآن جاء بألفاظ وأمثلة للتدرج العقول وتقريب الأفهام وهذه السطحية حالت بينهم في الوصول إلى الغور فنشأ لدينا الكثير من الفرق والمذاهب المجسمة أعتقاداً منهم أنّ التأويل زيادة في الدين وابتداع. فما رأيكم نأخذ مثلاً نموذج عن هذا الفكر وهو قول الشيخ "ابن باز" في تفسير الآية ﴿ يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ ﴾ فقال: ما خلاصته : هذه الآية من آيات الصفات التي أثبتها الله لنفسه فالساق والوجه واليد والوجه والعين والأصابع وغيرها من صفات الثابتة !! نؤمن بها على ظاهرها من غير تأويل ولا تشبيه !!
  ويجب أن لا يُخيل للقارئ أن مرادنا من هذا الكلام تعطيل الأحكام العملية الواردة في كتاب الله معاذ الله ؟ أو ان نُحيل جملة هذه الأحكام إلى مضامين معنوية فقط لأن هذا باطل ....
  ولندخل في صلب الموضوع والمقصود وما عليه يتمحور ما أسلفنا من التمهيد - لا يختلف إثنان على أن حكم قطع اليد للسارق من الأحكام العملية الثابتة في الشريعة؟ ولكن ماذا عن تفصيل هذا الحكم؟ وماذا عن العدول المنوطين والمؤهلين للحكم في هذه المسألة؟ وهل تقطع يد من سرق لأول مرة وهل ينطبق هذا الحكم على من سرق ليأكل هو وعياله؟ وهل يجوز عدلاًً أن يُعاقب من سرق ليقي نفسه وعياله من الجوع والتلف مع الذي يسرق الملايين ويبني القصور، أليس هذا السارق الكبير والحقيقي سبباً في عوز وحاجة الكثير من الناس فيضطرون الى السرقة ؟
  وماذا عن الدولة العادلة أليس على الدولة العادلة أن تؤمن لعامة المسلمين أسباب العمل والعيش الكريم ومن ثم يحق لها تطبيق هذه الحكم اذا يجب تطبيق العدالة أولاً .. لأنه في زمن نبي الرحمة ما كان ليطبق هذا الحكم إلاّ في ظل حكومة عادلة وقسط وقضاء حوائج المسلمين. في عهد رسول الله (ص) كانت فريضة الزكات مطبقة ومعمول بها على أتم وجه. وفي عهد أمير المؤمنين علي (ع) أيضاً. وليس داعش والنصرة خوارج هذا الزمان.
ثم أنه في تطبيق هذا الحكم يراعا الظرف والحالة ومستجدات العصر.
  أولاً نذكر لكم الآية ومن ثم نكمل قول الله تعالى :
﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ{38} فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ{39} أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ{40} ﴾ وقد اتفق العدول من العلماء على أنه ليس كل من سرق تقطع يده.
الآية أولاًً تشترط التوبة في رفع الحكم عن السارق وعدم العود والاصلاح، ويسري الحكم في وجود الدولة العادلة وهذا مستحيل في زماننا؟ كما أنه يجب التفريق بين ممتهن السرقة وبين السارق بسبب الفاقة والعجز المادي، هناك شروط يجب أن تتوفر بهذا السارق و هذه السرقة لقطع اليد و هي متمثلة بثمانية شروط:

  • الشرط الأول : أخذ مال معصوم خفية.
  • الشرط الثاني : أن يكون السارق مكلفا مختارا، عالما بمسروق وتحريمه.
  • الشرط الثالث : كون المسروق مالا محترما.
  • الشرط الرابع : أن يكون المسروق نصابا، وهو ثلاثة دراهم فضة، أو ربع مثقال ذهبا، أو ما قيمته أحدهما.
  • الشرط الخامس : إخراجه من الحرز، من حرز مثله. الحرز: حرز كل مال ما يحفظ فيه عادة.
  • الشرط السادس : انتفاء شبهة المسروق.
  • الشرط السابع : ثبوت سرقة السارق بشهادة عدلين عليه.
  • الشرط الثامن : مطالبة صاحب المال المسروق أو وكيله أو وليه بإقامة الحد.
  ولا تقطع اليد من المفصل كما جاء عن عبدالله بن هلال عن أبي عبدالله (عليه السلام) ، قال : قلت له : أخبرني عن السارق ـ : من أين تقطع اليد ؟ «قال : تقطع الأربع أصابع ويترك الإبهام يعتمد عليها في الصلاة ويغسل بها وجهه للصلاة» الحديث .
ورواية إبراهيم بن عبدالحميد ، عن عامّة أصحابه ، يرفعه إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) : أنّه كان إذا قطع السارق ترك الإبهام والراحة ... الحديث ....

  وبعد أن أثبتنا الكيفية والحيثية والشروط ... نأتي الى الأنسب والأصلح لزماننا وهو البعد المعنوي للفظة القطع و تعني: المنع والتعطيل والانتهاء والايقاف، وهذا بالحقيقة قَطْع اليد هو منعها أو نهيها أن تمتد فتسرق من جديد بالسجن و الحبس او النفي او العزل أو ما شاكل وبهذا تمتنع اليد عن السرقه خاصة أن تكملة الايه تدل على التوبه والمغفره والرحمه.
فيصبح المعنى, كما قال أحد المفكرين الاسلاميين (السارق والسارقه فامنعوا ايديهما أن تمتد للسرقه من جديد.) هو مراد الله تعالى من كلمة القطع في الاية الاية موضوع البحث..
انظر إلى تلك الآيات : ﴿ أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل ﴾ العنكبوت
﴿ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ ﴾ ... قَطَعَ ألوصل: أي مَنَعَ الوصل ان يوصل (عكس وَصَلَ) و ليس مزَق أو فصل الوصل عن بعضه و لو كان قَطَّع الوصل لكان جعله قِطَع ممزقه متباعده عن بعضها.

واتمنى ان يوضح لي احدهم معنى قطع الوصل وقطع الامر... هل هو نفس معنى قطع اليد؟ فكيف سيقطع السبيل والوادي وحتى الأرحام في هذه الايات الكريمات ..؟؟؟
- ﴿ ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ... ﴾ التوبة
- ﴿ فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ﴾ محمد
- ﴿ ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون ﴾ النمل
مثال : قَطْع ألامر
﴿ قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ ﴾ ألنمل
يقول القرآن عن ملكة سبأ ﴿ مَا كُنتُ قَاطِعَةً ﴾ وليس "مُقَطِّعة". هنا نلاحظ الفاعل هو "قاطع" وليس "مُقَطِّع".
﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ ﴾ آل عمران
قَطْع لطرف من الكفار أي منعه لجماعة معينه من الكفار من الرجوع بعد أن رأوا الأدله أو العذاب.
ولذلك أيضا أتى وصف النساء اللاتي رأين يوسف بكلمة ( قطعن ) (فلما سمعت بمكرهن ارسلت اليهن واعتدت لهن متكا واتت كل واحدة منهن سكينا وقالت اخرج عليهن فلما راينه اكبرنه وقطعن ايديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا ان هذا الا ملك كريم) بمعنى أنهن قمن باعتراض أيديهن بالسكين إلى درجة عميقة حيث أصابتهن بحرح ولم يبترن أيديهن.
وتشديد كلمة قطع يدل على تكرار الفعل أكثر من مرة.
ولو كان المقصد من كلمة ( قطع ) فصل اليد بصورة كلية عن الساعد لاستخدم الشارع كلمة بتر.

  إذاً كلمة ( قطع ) لا تدل على عملية ( البتر ) لليد ، وإنما تدل على عملية المنع والتعطيل والتوقيف وتحديد فاعليتها ، والعقوبة موجهة إلى نفس الإنسان لا إلى يده الجارحة !!
  قطع يد السارق لاتعني الجرح او البتر، وإنما منعه او توقيفه عن السرقة ومعاقبته بالشكل الذي يردعه، فتكون عقوبة هذا الإنسان بإيجاد صورة رادعة زاجرة مؤلمة نفسياً نحو السجن لمدة معينة، أو ما شابه ذلك مما يراه المجتمع عقوبة زاجرة ورادعة ومؤلمة نفسياً لهذا الإنسان ، حيث يترتب على العقوبة قطع يد السارق من وجهين :
- الأول توقيف ومنع فاعلية اليد وظيفياً بشكل مؤقت.
- الثاني : جعل السارق يتألم نفسياً من خلال شعوره بالخزي والعار أمام أسرته والمجتمع.
  والنتيجة أنّ هذا الإنسان هو ابن المجتمع يجب احتضانه والاعتناء به ، لا بتر أحد أطرافه، فالسجن في الواقع داخل تحت مفهوم القطع منطقياً، فكل سجن هو قطع لحركة هذا الانسان ومنعه من حريته وتوقيف نشاطه الاجتماعي، أليس السجن هو توقيف لحركة الإنسان؟ أليس السجن هو منع نشاطه الاجتماعي؟ أليس السجن هو تعطيل لقوة الإنسان؟

  وهنا يجب ان ننتبه لكلمة ( أيديهما) لم تأت بالمفرد ولم تأت بالمثنى بل جائت بالجمع حسب الآية ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ المائدة ، لا يلزم من ورود كلمة يد هنا أنها الجارحة؟
هل كلمة اليد في قوله تعالى ﴿ يد الله فوق ايديهم ﴾ هي الجارحة؟ كلمة اليد في اللسان العربي تعني القوة ، ولذلك قال عن داود ﴿ اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾ يعني اقطعوا كل منافذ القوة التي سيطرت على السارق فجعلته يرتكب السرقة فإن كان فقيراً فقد يكون القطع بتوفير فرصة عمل له، وان كان يعاني من خللٍ في الشخصية أو عدم العلم فيخضع لجلسات نفسية أو تربوية أو ما شابه، فإن بقي يصر على السرقة فمصادرة أمواله أو الحجز او السجن أو غيرها..
ثم ان كلمة ﴿ أيْدِيَهُمَا ﴾ تعني كلتا أيدهما اليمنى واليسرى معاً، فهل سيقطعون الاثنين معاً ويطبقون الآية أم يتراجعون الى القطع بطرق أُخرى ...؟ ولكن السؤال الكبير هنا ماذا لو اكتشفنا لاحقاً أنّ السارق لم يكن سارقاً بل بريئاً فماذا سيفعل القاضي ساعتئذ ..؟ ومن سيرجع للبريئ يده المبتورة التى ذهبت هباءا ..؟ ثم ان الاية لم تحدد ماهية القطع ثم تقول لنا الآية بقطع اليد واليد تمتد من الأصابع إلى الكتف..! على خلاف الوضوء مثلا حيث حددت الاية الغسل للمرافق مثلا فهل سيقطع الفقهاء اليد للكتف..؟

  ثم إن عبارة ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ ﴾ تمكنني من اضافة أنّ (ال) التعريف هنا تفيد التكرار والمداومة علي ارتكاب فعل السرقة .. وهم أشخاص معروفون بعينهم وبشخصياتهم وعليه لا يمكن أن نطلب تطبيق الحد علي من ارتكب السرقة مرة واحدة في حياته أو مرتين..! ثم إن هذه العبارة وردت بالصيغة الاسميه أي السارقين معروفين بتكرار الحدث ولبسته تهمة السرقة بشكل تام وواضح ولم تأتي بصيغة فعلية مثل (من يسرق أو تسرق فأقطعوا أيديهما)

  وهنا نريد أيضا أن نوجه الى اخر الاية ﴿ فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ ﴾ والتوبه هنا هي التوبه عن فعل السرقه الى الله. يقول فمن تاب، أي أن هناك احتمال أنه لن يتوب وسيستمر بالسرقه... ولكن كيف سيسرق من جديد إن كانت يداه مُقَطَّعتان؟

  والنتيجة أن هذا الإنسان هو ابن المجتمع يجب احتضانه والاعتناء به ، لا بتر أحد أطرافه..... انتهى ...
  وما توفيقي الا بالله عليه توكلت وهو حسبي.

خادم الشريعة الغراء
عيد عبد الحميد