العلويون.. إشكاليّة الهوية والانتماء. بقلم المهندس ربيع معين سليمان

أُضيف بتاريخ الثلاثاء, 03/02/2026 - 02:52

العلويون.. إشكاليّة الهوية والانتماء

كثرت في الآونة الأخيرة الصفحات والدراسات التي تتباهى وتروّج للقول أن أصول العلويين فينيقية أو كنعانية أو أوغاريتية...، وأنهم لا يزالون يتصلون بتلك الأصول بدلالة بعض الكلمات أو السلوكيات ذات الطابع الاجتماعي... 

ويأتي سياق هذه الطروحات المتعدّدة الموارد والمتوحّدة في المصادر في تزامن غريب من عدة مواقع تريد الاستدلال بهذا التمايز على انسلاخ العلويين عن هويتهم الدينيّة، أو إعلاء هذا النسب الجغرافي والتاريخي إلى رتبة الهويّة، في محاولة للتنصل من الجذور والأصول الدينية العروبية التي نعتز ونفتخر بها... 

لكن هذا السيل من التخيّلات يجب أن يُواجه بمنطقٍ ينتصرُ للحقيقة:

  1. هذا الانتساب الجغرو-تاريخي المزعوم ليس خاصًا بالعلويين وحدهم بل يشمل شعوب المنطقة بكاملها بحكم التواجد والتجاور والتناسل، والإصرار على القول أنه ميزةٌ علويةُ هو تهمةٌ تجافي الحقيقة وتخالف المنطق.
  2. إنّ البُعد التاريخي والحضاري في هذه الفكرة هي ميزةٌ تراكميّةٌ إذا أحسنّا استخدام هذا المخزون الفكري في تشكيل منظومةٍ فكريةٍ تصاعديّة يُستدلّ عليها بمستوى التطوّر الذي يمكن أن تبلغه المجتمعات، وليست ميزةً تفاضلية بمعنى أنها تُغني صاحبها إذا توقف عندها مزهوًّا ومتكبّرًا عن سواها دون الاعتراف والاندماج بالتلاحق الفكريّ والتطور الديني الذي شمل المنطقة كلها.
  3. إنّ الانتماء الدينيّ الإسلاميّ، والفهم العلوي لهذا الانتماء هو غايةُ الفخر ومنتهى الرجاء الذي يفتخر به كل العلويين، ولا نرى دونه أو سواه شرفاً يضاهيه، أو منزلةً يمكن أن نباهي بها، وهو الهوية التي تُخرج من يشكّ بها عن دائرة الإنسانية، وتنقله من مرتبة التطوّر إلى منزلة التحجّر، وتُسقِطُه من مرتبة اليقين إلى مستنقع الشك حيث يتخبّط ويغرق هناك الكثيرون.
  4. إنّ العروبة هي سياق تاريخيّ وحضاريّ ننتمي إليه بحكم حركة التاريخ وواقع الجغرافيا ونباهي بصفحاته المشرقة التي ملأت الدنيا علمًا ونورًا، وليست عارًا نهرب منه أو تسميةً نستخدمها للاستهلاك والاستثمار.
  5. إنّ الأحداث السياسية أحداثٌ متغيّرة، وهي وإن كانت قاسيةً في بعض مجرياتها إلا أنها لا يمكن أن تتعدّى على الثوابت الدينية  والتاريخية، أو أن تسلخ عنا هويتنا وانتماءنا، بل تجعلنا ندرك أننا على مسلك الحق والحقيقة.
  6. إنّ مواجهة الواقع أو محاولةَ إيجاد حلولٍ لمشاكله ومآسيه لا تتمُّ بالهروب إلى التخيّلات أو طرح نظرياتٍ لا تملك المصداقيّة وإمكانيّة القبول، ويسيء استعراضها إلى الشخصية العلوية ويؤدي إلى زعزعة بنيانها، بل يتم ذلك بتعزيز الانتماء الواضح والصريح وتنقيتِه من الشوائب التي عكّرت صًفْوَهُ وحَرَفَت مساره، والدفاع عنه بإظهار حقيقته وهويّته واستحضار ما يثبت صحّته وأحقيّته.

نحن لا نحتاج سوى إلى الاعتزاز والإيمانِ بما نحن عليه، وفهمه بما يليق بمكانتهِ ورفعتهِ، وإعادة صياغته وتقديمه بمنطق يوازي بين الالتزام بالثوابت، واستخراج ما يفيد في ميدان الانفتاح والتطور.

نحن أمةٌ تدرك معنى البلاء وقيمة الصبر، تعوّدت على التسليم احتسابًا والانتصار ثوابًا؛ لأن خيارها الأول والأخير هو: صحة الدين وثبات اليقين.

ربيع معين سليمان..
في ٣ شباط ٢٠٢٦م


تعقيب فضيلة الشيخ تمّام أحمد على هذا المنشور:

الأَدِيبُ اللّبيب الشَّيخ رَبيع سُليمان المحترم

بَيَانُكَ هَذَا؛ بَيانُ المُتَضَلِّعِ مِنْ تُرَاثِهِ، المُتَبَصِّرِ فِي وَلائِهِ. 

وَحَسْبُكَ شَرَفًا أَنَّكَ عَلَى مِنْهَاجِ عُلَمَاءِ هَذِهِ المَدْرَسَةِ الّذِينَ وَقَفُوا وِقْفَةَ المُدَافِعِ عَنْ عُرُوبَتِهِ المُمَيِّزِ بَينَ الدِّينِ وَالثَّقَافَةِ المُحَافِظِ عَلَى لُغَتِهِ وَانْتِسَابِهِ مَهْمَا تَنَاوَلَ مِنْ ثَقَافَاتِ غَيرِهِ مِنَ الأُمَم؛ لأَنَّ قُرْآنَهُ عَرَبِيٌّ، وَنَبِيَّهُ، وَإِمَامَهُ.

ذَلِكَ الموقِفُ الّذِي لا يُلْغِيهِ تَبَدُّلُ الظُّرُوفِ السِّيَاسِيَّةِ، فَلا يَتَغَيُّرُ بِتَغَيُّرِ لُغَةِ مُنْتَسِبٍ إِلَيهِ، وَلا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ بِلادِ أَتْبَاعِهِ، عَرَبِيًّا كَانَ أَمْ أَعْجَمِيًّا.

وَلَطَالَمَا اجْتَهَدَ عُلَمَاؤنَا فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ مَسَّ انْتِمَاءَهُمُ العَرَبِيَّ بِهَذِهِ الادِّعَاءَاتِ، وَمَا أَشْبَهَ اللَّيلَةَ بِالبَارِحَة، وَمِنْهُ عَلَى سَبِيلِ المِثَالِ:

1 ـ قَولُ الدكتور وَجيه مُحيي الدّين: 

(( بَرَزَ العَلَوِيُّ فِي هَذِهِ النَّهْضَةِ بِحُلَّتِهِ العَرَبِيَّةِ وَلُغَتِهِ العَرَبِيَّةِ وَعَقِيدَتِهِ العَرَبِيَّةِ الإِسْلامِيَّةِ؛ فَبَرْهَنَ أَنَّ هَذَا الشَّعْبَ لَيسَ صَلِيبِيًّا وَلا تَتَرِيًَّا، بَلْ هُوَ عَرَبِيٌّ صَحِيحُ النَّسَبِ وَمُسْلِمٌ ثَابِتُ العَقِيدَةِ..))  

2 ـ قَولُ الشَّيخ مُحَمَّد يَاسِين: 

(( العَلَوِيُّونَ أُمَّةٌ عَرَبِيَّةٌ لَمْ تَنْفَصِلْ عَنِ العَرَبِ وَالعُرُوبَةِ فِي عَهْدٍ مِنَ العُهُودِ. وَقَدِ اسْتَطَاعَتِ الأَيَّامُ وَالحَوَادِثُ أَنْ تَسْلُبَهَا شَوكَتَهَا وَعِزَّتَهَا، وَلَكِنَّهَا لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تَسْلُبَهَا أَنْسَابَهَا وَلا لُغَتَهَا وَلا تَارِيْخَهَا وَلا تَقَالِيْدَهَا...
أَفَلَيْسَ مِنَ المُخْجِلِ أَنْ يَقُولَ عَنَّا دُعَاةُ السِّيَاسَةِ: أَنَّنَا تَارَةً حثّيّونَ، وَطَورًا صَلِيْبِيّونَ، يُرِيْدُونَ بِذَلِكَ سَلْخَنَا عَنِ العَرَبِ... 
إِنَّنَا عَرَبٌ لا نَرْضَى بِالعَرَبِ وَالعُرُوبَةِ بَدَلاً... فَنَحْنُ نَتَحَمَّلُ كُلَّ مُصَابٍ وَغُرْمٍ، وَلا نَتَحَمَّلُ هَذِهِ الوَصْمَةُ الشَّائِنَةَ... 
لا نُرِيْدُ بِمَا قُلْنَا فِيْمَا تَقَدَّمَ أَنَّنَا نُبْغِضُ سِوَانَا مِنْ تُركٍ وَإفرنج وَغَيْرِهِم، كَلاَّ. بَلِ الّذِي نُرِيْدُهُ إِثْبَاتَ عَرَبِيَّتِنَا، وَرَفْضنَا كُلَّ الرَّفْضِ الانْتِسَابَ إِلَى أَيِّ شَعْبٍ كَانَ، وَاسْتِحَالَةَ انْفِصَالِنَا عَنِ النِّجَارِ العَرَبِيِّ الصّمِيْم..))  

3ـ أَفْرد الشَّيخ مَحمود الصَّالح فِي كِتَابِهِ (( النّبأ اليَقِين )) فَصْلاً سَمَّاهُ (( أَنْساب العَلَوِيّين وَعُرُوبتهُم )) وَمِنْهُ: 

(( مَنْ تَدَبَّرَ ـ بِقَلْبٍ غَيرِ مُقْفَلٍ ـ مُذَكَّرَةَ مُؤْتَمَرِ العَلَوِيّينَ فِي القرداحة إِلَى وِزَارة الخَارِجِين الفَرنسيّة وَالوَفْد المُفَاوض فِي بَاريس سَنَة 1936م اسْتَوضح عَنِ العَلوِيّينَ حَقَائِقَ ثَابِتةً لا يُنْكِرُهَا إِلاَّ جَاهِلٌ أَو مُتَعَنِّتٌ فَهِيَ تُؤَكِّدُ شِدَّةَ تَمَسُّكِ العَلَوِيّينَ بِدِينِهِم الإِسْلامِيّ الحَنِيفِ.. وَتَشَبُّثَهُم بِصِحَّةِ نَسَبِهم العَرَبِيّ الأَصِيلِ؛ فَقَدْ جَاءَ فِي تِلْكَ المُذَكَّرَة مِمَّا نَحْنُ فِي صَدَدِهِ تَحْتَ  عُنْوان ( أَنْسَاب العَلَوِيّينَ وَعُرُوبتهم ): 
(( إِنَّنَا دُونَ أَنْ نَرْغَبَ بِالدُّخُولِ فِي بَحْثٍ عِلْمِيٍّ عَنْ أَنْسَابِ العَلَوِيِّينَ، فَإِنَّهُ لا يَسَعُنَا البَتّة إِلاّ أَنْ نَدْحَضَ دَحْضًا مُطْلَقًا الرَّأْيَ الانْفِصَالِيَّ القَائِلَ: إِنَّ العَلَوِيّينَ مُنْحَدِرُونَ مِنْ أَقْوَامٍ غَيرِ عَرَبِيَّةٍ. وَإِنَّ فِي السُّكُوتِ عَنْ هَذَا الادِّعَاءِ الانْفِصَالِيِّ الوَهْمِيِّ ثَلْمَةً لِكِبْرِيَائِنَا وَلِكَرَامَتِنَا.
مِنَ الثّابتِ أَنّ العَلَوِيّينَ نَزَحُوا إِلَى جِبَالِهِم مِنَ العِرَاقِ، الذّي هُو مَهْدُ التّشَيُّعِ، كَمَا هُو بِذَاتِ الوَقْتِ وَلِذَاتِ الأَسْبَابِ التَّارِيخِيَّةِ، مَوطِنٌ مِنْ مَوَاطِنِ العُرُوبَةِ. وَكُلُّ شَيءٍ يُقِيمُ الدَّلِيلَ عَلَى أَنَّ العَلَوِيّينَ عَرَبٌ أَقْحَاحٌ.
وَهَذِهِ تَقَالِيدُنَا وَعَادَاتُنَا وَأَخْلاقُنَا وَشَكْلُ هَيئَتِنَا الاجْتِمَاعِيَّةِ وَلُغَتُنَا وَأَمْيَالُنَا وَثَقَافَتُنَا، وَالرّوَايَاتُ الشَّفويّة المُتَنَاقَلَةُ فِي كُلِّ عَشِيرَةٍ مِنْ نَشْءٍ إِلَى نَشْءٍ، تُؤَيِّدُ انْتِسَابَنَا إِلَى العَرَب كَمَا يُؤَيِّدُهُ  التَّارِيخُ.
وَمَا العَلَوِيُّونَ سِوَى أَحْفَادِ القَبَائِلِ العَرَبِيَّةِ  التّي نَاصَرَتِ الإِمَام عَلِيّ كَرَّم اللهُ وَجْهَهُ فَوقَ صَعِيد الفُرَاتِ... )) .

وأضاف فضيلة الشيخ تمّام أحمد:

وَمِنَ البَدِيهِيِّ أَنْ يَسْتَغْرِبَ مَنْشُورَكَ مَنْ لَمْ يُؤْتَ مِنَ العَقْلِ مَا أُوتِيتَ؛ لأَنَّهُ لَمْ يُحَصِّلْ مِنْ تُرَاثِ مَدْرَسَتِهِ شَيئًا يُعْتَدُّ بِهِ، وَلا أَدْرِي مَا مَوقِفُ مَنْ خَطَّأَكَ فِيمَا ذَهَبْتَ إِلَيهِ مِنْ أَعْلامِ هَذِهِ المَدْرَسَةِ العَلَوِيَّةِ ؟.

أَيُخَطِّئُ الشَّيخ عَبد اللّطيف إِبرَاهِيم فِي قَولِهِ:

وَتَلَفَّتَتْ هَذِي الجِبَالُ فَمَا رَأَتْ***أُمًّا أَبَرَّ مِنَ الشَّآمِ وَأَرْحَمَا
عَرَبِيَّةَ الأَنْسَابِ رَفْرَفَ فَوقَهَا***عَلَمُ البُطُولَةِ وَالجِهَادِ وَحَوَّمَا 

 أَمْ يُخَطِّئُ الشَّيخ مَحمود سُلَيمان الخَطِيب فِي قَولِهِ:

عَرَبٌ نَحْنُ مُسْلِمُوْنَ وَمَا الإِسْـ***ـلامُ إِلاَّ هُدىً وَمَحْضُ وِفَاقِ

أَمْ يُخَطِّئُ الشَّيخ عَلِيّ حُسَين حَرفوش فِي قَولِهِ:

عَرَبٌ نَحْنُ فَهَلْ تُنْكِرُنَا***قَادَةُ العُرْبِ وَرُسْلُ الإتّحَادِ
جَمَعَتْ يَعْرُبُ فِي أَنْسَابِنَا***وَاشِجَ القُرْبَى وَأَرْحَامَ المَبَادِي

أَمْ يُخَطِّئُ الشَّيخ مُحَمّد حَمدان الخَيّر فِي قَولِهِ:                                                          

أَيُّهَا ( الإِحْسَانُ) أَدْرِكْ بِالحَيَا***أَنْفُسًا للعِلْمِ وَالعَدْلِ صَوَادِي
وَتَعَهَّدْ جَبَلاً سُكَّانُهُ***طَوَّحَ الظُّلْمُ بِهِم فِي كُلِّ وَادِ
عَرَبٌ مِنْ عَبْدِ قَيسٍ أَصْلُهُم***وَتَنُوخٍ وَتَمِيمٍ وَإِيادِ

 عَلَى أَنَّ أَبْلَغَ مَا يَصِفُ لَكَ الحَالَ قَولُ الدكتور عَلِيّ سُلَيمان الأَحْمَد:

(( إِنَّ أَمَرَّ مَا تَشْكُو مِنْهُ العَلَوِيَّةُ جَهْلُ أَخْصَامِهِا لَهَا، وَمَا هُوَ أَدْهَى وَأَمَرُّ جَهْلُ أَبْنَائِهَا بِهَا فَيَجِبُ أَنْ نُعَرِّفَهَا لِهَؤلاءِ وَأَولَئِكَ بِوَجْهِهَا المُشْرِقِ..))

حَيَّاكَ اللهُ وَبَيَّاكَ وَرَحِمَ أَبَاكَ.


يمكن للقارئ الكريم أن يقرأ بقية التعليقات في المنشور الأساسي في الفايسبوك. (إدارة المكتبة الإسلامية العلوية)