مقدمة النظرات

أُضيف بتاريخ الأحد, 08/02/2026 - 14:33

مُقَدَِّمَةُ النَّظَرَاتِ

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ وَأَصْحَابِهِ المُنْتَجَبِينَ.

أَمَّا بَعْدُ: فَهَذِهِ نَظَرَاتٌ فِي كِتَابٍ عُنْوَانُهُ ((مَنْهَجُ المُسْلِمِينَ العَلَوِيِّينَ عَقِيدَةً وَشَرِيعَةً وَتَصَوُّفًا)) أَبْدَؤهَا بِالكَلامِ عَلَى عُنْوَانِ الكِتَابِ، ثُمَّ أُتْبِعُهُ  كَلامًا عَلَى بَعْضِ مُقَدِّمَاتِهِ وَأَبْوَابِهِ بِمَا أَرَى التَّنْبِيهَ عَلَيهِ ضَرُورَةً، وَاللهُ المُسْتَعَانُ، وَبِهِ العِصْمَةُ، وَإِلَيهِ القَصْدُ وَالمُبْتَغَى.

إِنَّ لِكُلِّ قَومٍ أَلْفَاظًا اصْطَلَحُوا عَلَى اسْتِعْمَالِهَا فِي مَعَانٍ مُحَدَّدَةٍ، وَخَصَّصُوهَا بِدَلائِلَ مُعَيَّنَةٍ، وَذَلِكَ أَنَّ لِكُلِّ لَفْظٍ دِلالَةً لُغَوِيَّةً أَصْلِيَّةً، فَإِذَا اسْتَعْمَلَهُ النَّاسُ بِمَعْنىً آخَرَ، عُدَّ اسْمًا عُرْفِيًّا، وَإِذَا اسْتَعْمَلَهُ الشَّرْعُ بِمَعْنىً آخَرَ عُدَّ اسْمًا شَرْعِيًّا. 

وَإِذَا أَرَدْتَ تَلْخِيصَ الفِكْرَةِ بِأَمْثِلَةٍ تُوضِحُهَا؛ قُلْتَ: لَفْظُ ((الصَّلاةِ)) يُعَدُّ اسْمًا شَرْعِيًّا؛ لأَنَّ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيَّ الدُّعَاءُ، ثُمَّ اسْتَعْمَلَهُ الشَّرْعُ بِمَعْنىً آخَرَ. وَلَفْظُ ((الغَائِطِ)) يُعَدُّ اسْمًا عُرْفِيًّا؛ لأَنَّ مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ المَكَانُ المُنْخَفِضُ، ثُمَّ اسْتَعْمَلَهُ النَّاسُ بِمَعْنىً آخَرَ. 

وَالمُرَادُ مِنْ هَذَا التَّقْدِيمِ الدِّلالَةُ عَلَى أَنَّ مُرَاعَاةَ الاصْطِلاحِ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الكِتَابَةِ، وَمَنْ تَكَلَّمَ عَلَى شَيءٍ فَلَمْ يُرَاعِ دِلالَةَ الأَلْفَاظِ شَرْعِيّةً كَانَتْ أَمْ عُرْفِيَّةً؛ اخْتَلَّ كَلامُهُ وَاضْطَرَبَتْ كِتَابَتُهُ؛ وَلِذَلِكَ وَضَعَ أَهْلُ كُلِّ فَنٍّ كُتُبًا يَشْرَحُونَ بِهَا كَلامَهُم وَيُوضِحُونَ بِهَا مَقَاصِدَهُم، فَظَهَرَتْ مَعَاجِمُ المُصْطَلَحَاتِ النَّحْوِيَّةِ وَالنَّقْدِيَّةِ وَالأُصُولِيَّةِ وَالفَلْسَفِيَّةِ وَالصُّوفِيَّةِ؛ لِيَرْجِعَ إِلَيهَا مَنْ أَرَادَ الكَلامَ عَلَى شَيءٍ مِنْهَا، وَقُسِمَتِ الأَلْفَاظُ مِنْ جِهَةِ اسْتِعْمَالِهَا إِلَى حَقِيقَةٍ وَمَجَازٍ، وَقُسِمَتِ الحَقِيقَةُ إِلَى لُغَوِيَّةٍ، وَشَرْعِيَّةٍ، وَعُرْفِيَّةٍ عُمُومًا، وَعُرْفِيّةٍ خُصُوصًا.

وَيَظْهَرُ أَنَّ مُؤَلِّفَ الكِتَابِ الّذِي ذَكَرْتُ عُنْوَانَهُ آنِفًا، تَجَاوَزَ هَذِهِ الأُصُولَ، فَلَمْ يَتَثَبَّتْ فِي أَمْرِهِ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ وِجْهَتَهُ، غَفَرَ اللهُ لَهُ وَهَدَاهُ، وَسَامَحَهُ وَشَفَاهُ، وَعَافَاهُ مِمَّا ابْتِلاهُ، وَأَصْلَحَنِي وَإِيَّاهُ.
وَذَلِكَ أَنَّهُ دَخَلَ فِي أَمَرٍ مِنْ غَيرِ مَدْخَلِهِ، وَتَكَلَّمَ عَلَى قَومٍ لَمْ يَنْظُرْ فِي آثَارِهِم، وَلَمْ يُحَقِّقْ دَقَائِقَ مَذْهَبِهِم.

وَمِنْ كَرَائِمِ الشِّعْرِ قَولُ دِعْبِلٍ الخُزَاعِيِّ ((148-246هـ)):

وَإِذَا حَلُمْتَ فَأَعْطِ حِلْمَكَ كُنْهَهُ***مُسْتَأْنِيًا وَإِذَا كَويتَ فَأَنْضِجِ
وَإِذَا الْتَمَسْتَ دُخُولَ أَمْرٍ فَالْتَمِسْ***مِنْ قَبْلِ مَدْخَلِهِ سَبِيلَ المَخْرَجِ1

وَمِنْ لَطَائِفِ الأَدَبِ أَنَّ مِنْ أَمْثَالِ العَرَبِ: ((مَنْ دَخَلَ ظَفَارِ حَمَّرَ)) أَي: تَعَلَّمَ لَهْجَةَ قَبِيلَةِ حِمْيَرَ، وَمُلَخَّصُ قِصَّتِهِ: دَخَلَ رَجُلٌ مِنَ العَرَبِ عَلَى مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ حِمْيَرَ، فَقَالَ لَهُ المَلِكُ: ثِبْ، أَي: اقْعُدْ، فَظَنَّ الرَّجُلُ أَنَّ المَلِكَ يَأْمُرُهُ بِالقَفْزِ، فَقَفَزَ مِنْ مَكَانٍ عَالٍ فَتَكَسَّرَ وَانْدَقَّتْ رِجْلاهُ.

وَذَلِكَ أَنَّ كَلِمَةَ ((ثِبْ)) تَعْنِي فِي العَرَبِيَّةِ: اقْفِزْ، وَتَعْنِي فِي الحِمْيَرِيَّةِ: اقْعُدْ فَقَصَدَ المَلِكُ شَيئًا وَفَهِمَ الأَعْرَابِيُّ شَيئًا آخَرَ، فَكَانَ مَا كَانَ مِنِ اخْتِلافِ اللَّهْجَتَينِ.2

وَلَقَدْ كَانَ الأَولَى بِمَنْ أَلَّفَ ذَلِكَ الكِتَابَ؛ أَنْ يَتَعَلَّمَ لَهْجَةَ المَنْطِقِ العَلَوِيِّ، وَيَعْرِفَ لَحْنَ أَعْلامِهِ، وَيَتَنَبَّهَ لِدَقَائِقِ اصْطِلاحَاتِهِم وَلَطَائِفِ كَلِمَاتِهِم؛ لِيُخَاطِبَ العَلَوِيَّ بِالمُتَعَارَفِ عِنْدَهُ مِمَّا شَاعَ فِي بِيئَتِهِ وَجَرَى عَلَى أَلْسِنَةِ شُيُوخِهِ، وَتَتَابَعَ اسْتِعْمَالُهُ وَتَوَاتَرَ لَفْظُهُ، فَإِنَّ أَعْلامَهُ أَبْصَرُ بِمَذْهَبِهِم وَأَقْدَرُ عَلَى وَصْفِهِ، وَأَجْدَرُ بِتَحْدِيدِ مَا يَصْلُحُ فِي تَعْرِيفِهِ، وَيَصِحُّ فِي تَسْمِيَتِهِ، وَهَذَا مَا لَمْ يَلْتَزِمْهُ مُؤَلِّفُ الكِتَابِ، فَأَهْمَلَ مَا لا يُعْذَرُ بِإِهْمَالِهِ، وَأَغْفَلَ مَا لا يَليقُ بِأَمْثَالِهِ...

 


مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ الكِتَابَ قِرَاءَةَ مُتَدَبِّرٍ، وَتَأَمَّلَهُ تَأَمُّلَ مُتَبَصِّرٍ، وَجَدَ فِي أَثْنَائِهِ مَا يُخِيفُ وَيُفْزِعُ، وَفِي مَطَاوِيهِ مَا يُؤْلِمُ وَيُوجِعُ، (( وَمَا أَدْرِي وَسَوفَ إِخَالُ أَدْرِي )).

وَالَّذِي ظَهَرَ لِي بَعْدَ قِرَاءَتِهِ وَمُلاحَظَةِ مَا يُؤمِئُ إِلَيهِ أَنَّ الغَرَضَ مِنْ تَصْنِيفِهِ اسْتِدْرَاجُ القَارِئِ إِلَى تَسْمِيَةٍ جَدِيدَةٍ بِتَدْرِيبِهِ عَلَى كَلِمَاتٍ مُسْتَحْدَثَةٍ، وَعِبَارَاتٍ مُنَمَّقَةٍ، يُمَرِّنُ عَلَيهَا سَمْعَهُ، وَيُرَوِّضُ بِهَا لِسَانَهُ، وَمَنِ اعْتَادَ شَيئًَا اسْتَطَابَهُ وَاسْتَحْلاهُ.

وَلا يَتَعَدَّى ذَلِكَ احْتِمَالَينِ: إِمَّا أَنَّهُ تَنَاسَى عَمْدًا، وَإِمَّا أَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى آثَارِ عُلَمَائِنَا فِي هَذَا الشَّأْنِ، فَإِنْ كَانَ عَمْدًا ـ وَلا أَتَّهِمُهُ، وَلا أَظُنُّ بِهِ إِلاَّ خَيرًا ـ فَقَدْ دَفَعْتُ عَنْ مَذْهَبِي، وَإِنْ كَانَ سَهْوًا، فَقَدْ نَبَّهْتُ عَلَى خَطَئِهِ، وَفِي الحَالَينِ أَدَّيتُ مَا أَرَاهُ عَلَيَّ وَاجِبًا.

إِذَا حَمَلْتُهُ عَلَى حُسْنِ الظَّنِّ، أَقُولُ: لَقَدْ حَاوَلَ أَنْ يُثْبِتَ تَمَيُّزَ العَلَوِيِّينَ مِنْ بَقِيَّةِ الفِرَقِ، غَيرَ أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ كَيفَ يُمَيِّزُهُم، فَذَهَبَ يَمِينًا وَشِمَالاً، وَلَمْ يَتَنَبَّهْ لِنَتَائِجِ كَلامِهِ، فَأَخْرَجَهُم مِمَّا هُم فِيهِ، وَأَدْخَلَهُم فِي نِسْبَةٍ تَهْدِمُ أَسَاسَ بُنْيَانِهِم، وَتُحَطِّمُ أُصُولَ أَرْكَانِهِم.

وَأَوَّلُ مَا يَلْحَظُهُ المُتَأَمِّلُ مُحَاوَلَةُ إِقْصَاءِ الصِّفَةِ الشَّرْعِيَّةِ إِلَى الهَامِشِ وَتَغْلِيبُ صِفَةِ التَّصَوُّفِ عَلَى سَائِرِ جَوَانِبِ الفِكْرِ العَلَوِيِّ، وَهَذِهِ أَوَّلُ خُطْوَةٍ فِي طَرِيقِ إِخْرَاجِ العَلَوِيِّ مِنْ مَدْرَسَتِهِ الوَلائِيَّةِ، وَتَنْحِيَةِ نِسْبَتِهِ الأُولَى، وَتَغْيِيبِ أُصُولِ مَذْهَبِهِ؛ لِيَتَنَاسَى جُهُودَ عُلَمَائِهِ فِي بَقِيَّةِ المَجَالاتِ الفِكْرِيَّةِ، وَأَهَمُّهَا كُتُبُهُم فِي أُصُولِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ؛ لِمَا فِيهَا مِنْ تَوثِيقِ النِّسْبَةِ إِلَى المَذْهَبِ الجَعْفَرِيِّ وَتَأْكِيدِهِ، عَلَى مَا سَيَظْهَرُ مِنَ التَّعْقِيبِ فِي مَحَلِّهِ.

وَذَلِكَ بِاسْتِعْمَالِ أُسْلُوبٍ يُشْبِهُ فِي أَلْفَاظِهِ أَلْفَاظَ شُيُوخِنَا شَكْلاً، وَيَنْقُضُهَا مَعْنىً، وَيُرِيكَ مَا تُحِبُّ مِنَ التَّرَاكِيبِ الّتِي تَعْتَدُّ بِهَا نَفْسُكَ، وَمَا تَسْتَحْسِنُ مِنَ العِبَارَاتِ الّتِي يَطْرَبُ لَهَا سَمْعُكَ، غَيرَ أَنَّكَ لا تَسْتَحْلِي طَعْمَهُ إِذَا تَذَوَّقْتَ، وَلا تَسْتَعْذِبُ مَاءَهُ إِذَا وَرَدْتَ، فَلا يَزَالُ يَسْتَنْزِفُ وَلاءَكَ، وَيَمْتَصُّ انْتِمَاءَكَ، حَتَّى يَسْتَوعِبَ هُوِيَّتَكَ وَيُخْفِيَ نِسْبَتَكَ، وَ ((مَا أَشْبَهَ اللَّيلَةَ بِالبَارِحَهْ.)).

وَأَكْثَرُ مَا يَحْمِلُكَ عَلَى هَذِهِ الظُّنُونِ مَا تَرَاهُ مِنْ تَبْدِيلِ كَلامِ شُيُوخِنَا بِإِحْلالِ الغَامِضِ المُعَمَّى مَحَلَّ الوَاضِحِ الصَّرِيحِ، وَمُحَاوَلَةِ تَعْدِيلِ مَا اسْتَقَرَّ مِنَ المَفَاهِيم فِي أَذْهَانِ القُرَّاءِ، بِنَقْضِ مَا أَبْرَمُوهُ، وَتَشْتِيتِ مَا جَمَّعُوهُ.

وَإِذَا ثَبَتَ وُجُوبُ اسْتِعْمَالِ الأَلْفَاظِ بِمُخَاطَبَةِ كُلِّ فِئَةٍ بِاصْطِلاحَاتِهَا، وَمُرَاعَاةِ المُتَعَارَفِ عِنْدَهَا؛ فَإنَّ مَا يَنْشَأُ عَنْ إِهْمَالِ هَذِهِ الأُصُولِ أَعْظَمُ ضَرَرًا مِمَّا تَرَاهُ، وَأَبْعَدُ أَثَرًا مِمَّا تَظُنُّهُ.

وَأَوضَحُ مِثَالٍ لَهُ عِبَارَةُ ((الوَلاءِ الصَّحِيحِ))  الّتِي تُعَدُّ أَسَاسَ الهُوِيَّةِ المُعَبَّرِ عَنْهَا بِلَفْظَةِ ((العَلَوِيِّ))  فَإِنَّ هَذِهِ النِّسْبَةَ الوَلائِيَّةَ رَأْسُ أَسْمَائِهَا وَعَينُ انْتِمَائِهَا. وَكَفَى فِي الدِّلالَةِ عَلَى شَرَفِهَا الاكْتِفَاءُ بِهَا عَنْ كُلِّ نِسْبَةٍ، وَمِنْهُ قَولُ العَلاّمة الشَّيخ سُلَيمَان أَحْمَد ((1868-1942م)):

وَدَعُوا الفَخْرَ بِانْتِسَابٍ قَبِيحِ***مِنْ صَرِيحٍ مِنْهُ وَغَيرِ صَرِيحِ
أَيُّ قُرْبَى مَا بَينَ جِسْمٍ وَرُوحِ***حَسْبُنَا نِسْبَةُ الوَلاءِ الصَّحِيحِ

للمَوَالِي وَالعِتْرَةِ الأَحْمَدِيَّهْ 3

وَمَنْ تَأَمَّلَ قَولَهُ: ((حَسْبُنَا نِسْبَةُ الوَلاءِ الصَّحِيحِ)). عَلِمَ أَنَّ هَذِهِ النِّسْبَةَ تَقْضِي بِبُطْلانِ غَيرِهَا؛ لأَنَّ النِّسْبَةَ إِلَى غَيرِهَا تَعْنِي النِّسْبَةَ إِلَى وَلاءٍ غَيرِ صَحِيحٍ، بِدِلالَةِ المَنْطُوقِ عَلَى المَسْكُوتِ عَنْهُ.

وَمَا ذَلِكَ إِلاَّ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهَا نِسْبَةٌ تَتَضَمَّنُ الدِّلالَةَ عَلَى أَصْلٍ مِنْ أُصُولِ العَقِيدَةِ؛ وَلَولا ذَلِكَ لَمَا تَمَيَّزَ العَلَوِيُّ مِنْ غَيرِهِ، وَهَلِ اخْتَلَفَ القَومُ فِي مَعْنَى كَلِمَةٍ أَكْثَرَ مِنِ اخْتِلافِهِم فِي الدُّعَاءِ: ((اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ..)) ؟. 

إِنَّمَا سُمِّيَ العَلَوِيُّ بِهَذَا الاسْمِ؛ لأَنَّهُ فَسَّرَ الوَلاءَ بِالإِمَامَةِ وَالعِصْمَةِ وَالنَّصِّ عَلَى الخِلافَةِ، وَفَسَّرَهُ آخَرُونَ بِالحُبِّ وَالنُّصْرَةِ.

وَمِنْ هُنَا كَانَتْ نِسْبَتُهُ وَلائِيَّةً، وَكَانَتِ الإِمَامَةُ أَصْلاً مِنْ أُصُولِ اعْتِقَادِهِ؛ لأَنَّ الوَلايَةَ تَكْفِي فِي الدِّلالَةِ عَلَى حُبِّ الإِمَامِ وَنُصْرَتِهِ، وَلَكِنَّ حُبَّ الإِمَامِ لا يَكْفِي فِي الدِّلالَةِ عَلَى مَعْنَى الوَلايَةِ، وَلَولا ذَلِكَ لَمَا قَسَمَ الأَئِمَّةُ مُحِبِّيهِم عَلَى ثَلاثِ طَبَقَاتٍ، وَلَمَا قَرَأْتَ قَولَ الإِمَامِ الصَّادِقِ : ((مِنْ أَيِّ مُحِبِّينَا أَنْتَ؟)). 

وَهَذَا يَقْتَضِي تَعَدُّدَ المُحِبِّينَ، وَلَكِنَّهُ لا يَقْتَضِي اسْتَوَاءَهُم فِيهِ، فَلأَيِّ صِفَةٍ تُحِبُّهُ ؟. وَكَيفَ تَنْتَسِبُ إِلَيهِ ؟.

أَلا تَرَى فَرْقًا بَينَ تَسْمِيَتِهِ انْتِسَابًا وَلائِيًّا وَبَينَ تَسْمِيَتِهِ انْتِسَابًا صُوفِيًّا ؟.

وَلِذَلِكَ تَمَسَّكَ أَعْلامُنَا بِتَسْمِيَتِهَا نِسْبَةً وَلائِيَّةً؛ إِشْعَارًا بِأَنَّهُم لا يَكْتَفُونَ بِالتَّعْبِيرِ عَنْ حُبِّ عَلِيٍّ  كَغَيرِهِم، وَأَنَّهُم يَتَمَيَّزُونَ مِنْ مُحِبِّيهِ بِوَلائِهِ الدَّالِّ عَلَى إِمَامَتِهِ وَعِصْمَتِهِ بِالنَّصِّ الإِلَهِيِّ.

وَمِنْ لَمْ يُحَقِّقْ هَذِهِ الدَّقَائِقَ تَسَامَحَ فِيهَا وَأَغْمَضَ عَنْهَا، وَذَلِكَ أَضَرُّ مَا يُصِيبُهُ فِي أُصُولِ اعْتِقَادِهِ مِنْ حَيثُ لا يَشْعُرُ، وَلِذَلِكَ تَجِدُ فِي ذَلِكَ الكِتَابِ تَسَاهُلاً وَصَلَ إِلَى دَرَجَةِ تَغْيِيرِ هَذِهِ النِّسْبَةِ وَتَمْزِيقِهَا، حَتَّى ذَهَبَ بِهِ إِلَى جَعْلِهَا صُوفِيَّةً وَعِرْفَانِيَّةً بَعْدَمَا كَانَتْ وَلائِيَّةً فِي أَصْلِ وَضْعِهَا.

إِنَّمَا هَذِهِ الوَلايَةُ؛ مِيْرَاثُ الخَلَفِ مِنَ السَّلَفِ، وَأَمَانَةُ الآبَاءِ للأَبْنَاءِ، وَلَهَا فِي عُنُقِ كُلِّ مُوالٍ عَهْدٌ يُوجِبُ عَلَيهِ أَنْ يَصُونَهَا مِنَ الأَذَى حَتَّى يُوَرِّثَهَا كَمَا تَسَلَّمَهَا خَالِصَةً نَقِيَّةً.

وَمِنْهُ قَولُ الشَّيخ حَيدر مُحَمّد ((1895ـ 1991م)):

إِنَّ هَذَا تُرَاثَكُم فَاحْفَظُوهُ***فَبِهِ تَرْتَقُونَ مَتْنَ العَلاءِ
وَاتْبَعُوا إِثْرَ سَادَةٍ قَدْ تَسَامَوا***فِيهِ حَتَّى غَدَوا مَنَارَ اهْتِدَاءِ
أَوضَحُوهُ لَنَا كَمَا أَخَذُوهُ***سَالِمًا مِنْ مُكَابِرٍ أَو مُرَاءِ 4

وَعَلَى هَذَا مَضَى السَّابِقُونَ، وَتَعَاقَبَ الأَوَّلُونَ، وَمَنْ تَبَصَّرَ فِي آثَارِهِم رَأَى مِنَ التَّنْبِيهِ عَلَى حِفْظِ هَذِهِ النِّسْبَةِ الشَّرِيفَةِ مَا لَو تَفَطَّنَ لَهُ؛ لارْتَعَدَ مِنْ تَقْصِيرِهِ فِي حَقِّهَا.

 

يَمُرُّ أَكْثَرُنَا عَلَى آثَارِ أَعْلامِهِ وَهُم يُحَرِّضُونَ عَلَى صِيَانَةِ النِّسْبَةِ الوَلائِيَّةِ؛ فَيَحْسَبُ أَنَّهُم يَحُضُّونَهُ عَلَى أَنْ يَحْتَفِظَ بِلَفْظَةِ ((عَلَوِيٍّ)) لأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى حُبِّهِ لأَمِيرِ المُؤمِنِينَ عَلِيٍّ  فَيَعْجَبُ مِمَّا يَرَى، وَرُبَّمَا خَطَرَ لَهُ أَنَّهُ غَيرُ مَعْنِيٍّ بِمَا يُقَالُ وَلا مَقْصُودٍ بِمَا يُوصَى بِهِ؛ لأَنَّهُ مُتَمَسِّكٌ بِحُبِّهِ وَمُنْتَسِبٌ إِلَى اسْمِهِ، وَلَيسَ الأَمْرُ حَيثُ يَذْهَبُ، فَإِنَّهَا وَصِيَّةٌ أَعْمَقُ مِنْ صِيَانَةِ لَفْظَةٍ وَأَجَلُّ مِنْ تَمْجِيدِ كَلِمَةٍ.

إِنَّهَا وَصِيَّةٌ لِحِفْظِهَا مِنْ مُتَأَوِّلٍ لا يُفَرِّقُ بَينَ تَسْمِيَتِهَا صُوفِيَّةً وَبَينَ تَسْمِيَتِهَا وَلائِيَّةً؛ وَشَتَّانَ مَا بَينَهُمَا.

أَفَمَنِ انْتَسَبَ إِلَيهِ لأَنَّهُ مُتَصَوِّفٌ، كَمَنِ انْتَسَبَ إِلَيهِ لأَنَّهُ إِمَامٌ مَعْصُومٌ مَنْصُوصٌ عَلَيهِ خَلِيفَةً وَوَصِيًّا!. 

وَهَلْ يَسْتَوِي مَنْ أَخَذَ هَذِهِ النِّسْبَةَ مِنْ مَقَامِ النُّبُوَّةِ: ((اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ)) وَمَنْ أَخَذَهَا مِنْ غَيرِهِ؟.

إِنَّمَا نَبَّهَ أَعْلامُنَا عَلَى هَذَا الفَرْقِ الدَّقِيقِ بَينَ أَسْمَاءِ النِّسْبَةِ؛ فَسَمَّوهَا نِسْبَةَ الوَلاءِ، وَلَمْ يُسَمُّوهَا بِغَيرِهِ؛ لأَنّهَا نِسْبَةٌ إِلَى الوَلايَةِ المَنْصُوصِ عَلَيهَا المُمْتَدَّةِ إِلَى الأَئِمَّةِ الاثْنَي عَشَرَ، لِتَكُونَ عَلامَةً عَلَى صِحَّتِهَا.

فَتَأَمَّلْ مِمَّا تَقَدَّمَ قَولَ العَلاّمة الشَّيخ سُلَيمَان أَحْمَد:

حَسْبُنَا نِسْبَةُ الوَلاءِ الصَّحِيحِ***للمَوَالِي وَالعِتْرَةِ الأَحْمَدِيَّهْ

وَقَولَ الشَّيخ مَحْمود سُلَيمان الخَطِيب ((1905ـ 1978م)):

الوَلاءُ الصَّحِيحُ وَالُوا عَلِيًّا***وَبَنِيهِ الغُرَّ الوِضَاءَ الصِّيدَا 5

وَقَولَ الشَّيخ حُسَين سَعّود ((1321ـ 1425هـ )):

رِجَالَ الدِّينِ آنَ بِأَنْ تَبَرُّوا***بِمَا أَعْطَيتُمُ عَهْدًا وَحَلْفَا
فَتَجْتَمِعُ القُلُوبُ عَلَى وَلاءٍ***صَحِيحٍ يَنْسِفُ الأَضْغَانَ نَسْفَا 6

وَقَولُ الشَّيخِ عَلِيِّ أَحْمَد كَتُّوب ((1905ـ 1978م)):

وَأَمِتْنِي عَلَى الوَلاءِ صَحِيحًا***بِلِسَانِي لَهُم ـ إِلَهِي ـ وَقَلْبِي 7

وَمَنْ تَأَمَّلَ كَيفَ يُتْبِعُونَ لَفْظَةَ ((الوَلاءِ)) لَفْظَةَ ((الصَّحِيحِ)) تَبَيَّنَ لَهُ مِقْدَارُ احْتِرَازِ عُلَمَائِنَا مِمَّا يَشُوبُ هَذِهِ الدِّلالَةَ بِاخْتِيَارِ ذَلِكَ اللَّفْظِ البَلِيغِ؛ فَإِنَّ فِيهِ مِنْ دِقَّةِ المَعْنَى مَا لَيسَ فِي غَيرِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ وَصَفَ شَيئًا مُلْتَئِمًا لا كَسْرَ فِيهِ وَصَفَهُ بِالصِّحَةِ وَالصَّحِيحِ؛ لِدِلالَةِ هَذِهِ الأَحْرُفِ عَلَى البَرَاءَةِ مِنَ العُيُوبِ.

وَبِهَذِهِ الدِّلالَةِ تُفْهَمُ أَقْوَالُهُم فِي النِّسْبَةِ الوَلائِيَّةِ أَنَّهَا نِسْبَةٌ تَامَّةٌ لا نَقْصَ فِيهَا وَلا عَيبَ، وَمِنْهَا قَولُ الشَّيخ إِبرَاهِيم سَعّود ((1914ـ 1982م)):

وَضَيَّعْتُم وَلايَةَ آلِ طَهَ***وَلَمْ تُرْضُوا الشَّرِيعَةَ وَالكِتَابَا
إِذَا لَمْ تَحْفَظُوا قُرْبَى وَلاءٍ***فَلِمْ لا تَحْفَظُونَ الإِنْتِسَابَا

فَتَأَمَّلْ قَولَهُ: ((فَلِمْ لا تَحْفَظُونَ الإِنْتِسَابَا..)).

وَقَولُ الشَّيخ حَيدر مُحَمّد:

وَاقْتِرَابُ الأَجْسَامِ لَمْ يَكُ شَيئًا***إِنْ تَعَدَّاهُ للوَلاءِ انْتِسَابُ 8

وَقَولُ الشَّيخ مُحَمَّد حَسن شَعْبَانِ:

وَلاءُ عَلِيٍّ وَالأَئِمَّةِ وِلْدِهِ***هُوَ النَّسَبُ الأَسْمَى إِلَيهِ نَمَانِي 9

وَمَنْ تَجَاوَزَ هَذِهِ اللَّطَائِفَ، دَلَّ عَلَى اضْطِرَابِ تَفْكِيرِهِ، وَتَشَتُّتِ ذِهْنِهِ، وَلَو كَانَ ثَابِتَ القَدَمَينِ لَمَا اخْتَلَّ أَمْرُهُ؛ فَإِنَّ العَلَوِيَّ رَاسِخٌ فِي انْتِمَائِهِ، ثَابِتٌ فِي وَلائِهِ؛ وَمَنْ كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ كَانَ آمِنًا.

إِنَّمَا أَرَادَ مُؤَلِّفُ ذَلِكَ الكِتَابِ ـ أَو مُؤَلِّفُوهُ ـ أَنْ يُظْهِرُوا عَلَوِيَّتَهُم، وَيُبَيِّنُوا تَعَلُّقَهُم بِهَذِهِ البِيئَةِ؛ غَيرَ أَنَّهُم سَلَكُوا مَسْلَكًا كَثِيرَ المَزَالِقِ، وَشَدِيدَ العِثَارِ، وَمَا ذَلِكَ إِلاَّ لأَنَّهُم ظَنُّوا بِأَنْفُسِهِم أَنَّهُم إِذَا تَجَاوُزوا كَلامَ عُلَمَائِنَا اسْتَطَاعُوا أَنْ يُمَاثِلُوهُم عِلْمًا أَو يُشابِهُوهُم فَهْمًا، وَرُبَّمَا خُيِّلَ إِلَيهِم أَنَّ زَمَانَهُم وَلَّى، فَأَصْبَحُوا لا تَصْلُحُ آثَارُهُم، وَلا تُغْنِي أَفْكَارُهُم، وَهَيهَاتَ أَنْ يَكُونَ مَا ظَنُّوا؛ فَإِنَّهُ أَدَبُ الأَولِيَاءِ، وَمِيرَاثُ الأَنْبِيَاءِ؛ لا تَنْفَدُ حُجَّتُهُ، وَلا تُنْزَفُ حِكْمَتُهُ؛ فَمَنْ رَآهُ بَالِيًا؛ فَإِنِّي أَرَاهُ جَدِيدًا، كُلَّمَا تَقَادَمَ ازْدَادَ نَضْرَةً؛ مُتَمَثِّلاً:

مَالِي وَمَا كَانَ ثَوبِي لا أُبَدِّلُهُ***وَإِنْ تَهَرَّأَ مَِنْ حَولِي وَإِنْ خَلَقَا 10

 

لَقَدْ تَعَجَّلَ القَومُ، وَمِنْ أَمْثَالِ العَرَبِ: (( اللَّيلُ طَوِيلٌ وَأَنْتَ مُقْمِرٌ . 
يُضْرَبُ مَثَلاً فِي التَّأَنِّي وَالصَّبْرِ عَلَى الحَاجَةِ حَتَّى تُمْكِنَ، وَمَعْنَاهُ: اصْبِرْ عَلَى حَاجَتِكَ؛ فَإِنَّكَ تَجِدُهَا فِي بَقِيَّةِ لَيلَتِكَ، فَإِنَّهَا طَوِيلَةٌ، وَأَنْتَ مُقْمِرٌ؛ أَي: لَيسَ فِيهَا ظُلْمَةٌ تَمْنَعُكَ عَنْ قَصْدِهَا..))
11  

وَمِمَّا يَلْحَظُهُ المُدَقِّقُ فِي ذَلِكَ الكِتَابِ أَنَّ وَاضِعَهُ مُنْقَادٌ لِعَاطِفَتِهِ انْقِيَادًا ضَيَّعَ فِيهِ حَقَّهُ طَمَعًا فِي غَيرِهِ؛ فَمَا بَلَغَ فِي سَعْيِهِ مَأْمَلاً، وَلا أَصَابَ فِي رَمْيِهِ مَقْتَلاً.

وَيَدُلُّكَ عَلَيهِ أَنَّ هَذَا التُّرَاثَ الفِكْرِيَّ جَارٍ عَلَى نَسَقٍ وَاحِدٍ، كَالسُّبْحَةِ تُوصِلُكَ كُلُّ حَبَّةٍ بِأُخْتِهَا، مَعْقُودٌ بِنَاؤهُ عَلَى النَّصِّ، وَمَرْصُوفٌ طَرِيقُهُ بِأَدِلَّةِ العَقْلِ؛ وَلِذَلِكَ لا تُنَاقِضُ أَوَاخِرُهُ أَوَائِلَهُ، وَلا تُعَارِضُ أَوَائِلُهُ أَوَاخِرَهُ وَأَنَّى تَرَى فِي أَسَاسِهِ وَهْنًا، أَو تَلْمَحُ فِي بِنَائِهِ ضَعْفًا، وَهُوَ مُتَّصِلٌ بِحَبْلِ الإِمَامَةِ، وَآخِذٌ مِنْهَا بِالعُرْوَةِ الوُثْقَى.

وَإِنَّ تُرَاثًا أَحْكَمَ السَّلَفُ بَيَانَهُ، وَأَتْقَنُوا بُنْيَانَهُ؛ لَعَزِيزٌ عَلَى مَنْ أَتَاهُ مِنْ غَيرِ وَجْهِهِ، وَطَلَبَهُ مِنْ غَيرِ أَهْلِهِ، وَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ يَقْوَى عَلَى إِيضَاحٍ أَكْثَرَ مِنْهُم؛ فَقَدْ أَبْعَدَ الطَّلَبَ، وَأَغْرَبَ فِي المَنْحَى.

وَيَكْفِي فِي المُقَدِّمَةِ التَّلْمِيحُ إِلَى مَضْمُونِ الكِتَابِ؛ فَإِنَّهُ مُوجَزٌ بِمَوقِفَينِ؛ وَعَلَيهِمَا مَدَارُ الكَلامِ فِي تَعْقِيبِي عَلَى مُؤَلِّفِهِ، وَهُمَا مَوقِفَانِ: 

  1. أَحَدُهُمَا: مَوقِفُ عُلَمَائِنَا مِنْ مَسْأَلَةِ التَّفْضِيلِ.
  2. وَالآخَرُ: مَوقِفُهُم مِنْ مَسْأَلَةِ النِّسْبَةِ وَتَعَدُّدِ صِيَغِهَا فِي أَلْفَاظِهِم.

المَوقِفُ مِنَ التَّفْضِيلِ

أَمَّا مَوقِفُهُم مِنْ مَسْأَلَةِ التَّفْضِيلِ؛ فَهُوَ صَرِيحٌ فِي تَفْضِيلِ الإِمَامِ عَلِيٍّ  عَلَى غَيرِهِ، وَمِنْهُ قَولُ الشَّيخ حُسَين حرفوش ((1892ـ 1959م )): (( لا نُنْكِرُ عَلَى الخُلَفَاءِ الثَّلاثَةِ هِجْرَتَهُم فِي الإِسْلامِ، وَخِدْمَتَهُم لَهُ، وَإِنْ قَدَّمْنَا الإِمَامَ عَلِيًّا وَفَضَّلْنَاهُ عَلَيهِم..))12

وَذَلِكَ لأَنَّ النِّسْبَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى هَذَا التَّفْضِيلِ، وَلِذَلِكَ اسْتَعْمَلُوا فِي كُلِّ مَقَامٍ لَفْظَةً، فَكَانَ الوَلاءُ مَخْصُوصًا بِمَقَامِ الإِمَامَةِ، وَكَانَ غَيرُهُ مِنْ أَلْفَاظِ المَدْحِ مَخْصُوصًا بِغَيرِهِ. وَمِنْهُ قَولُ الشَّيخ يعقوب الحَسن: ((1867ـ 1929م)):
وَأَنَا الَّذي أُصْفِي وَلائِي حَيْدَرًا***وَأُعَظِّمُ الصِّدِّيقَ وَالفَارُوقَا13

فَالوَلاءُ المَحْضُ للإِمَامِ، وَلِغَيرِهِ مِنَ الخُلَفَاءِ التَّعْظِيمُ وَالاعْتِرَافُ لَهُم بِالفَضْلِ فِي خِدْمَةِ الإِسْلامِ، لا بِالأَفْضَلِيَّةِ عَلَى الإِمَامِ عَلِيٍّ.

وَلَوِ اكْتَفَى مُؤَلِّفُ ذَلِكَ الكِتَابِ بِمَنْطِقِ شُيُوخِنَا؛ لأَفَادَ وَاسْتَفَادَ، وَلَو فَعَلَ لَمَا عُوتِبَ، وَلَكِنَّهُ ـ أَصْلَحَهُ اللهُ ـ لَمْ يَكْتَفِ بِتَعْظِيمِ الخُلَفَاءِ وَإِجْلالِهِم حَتَّى فَضَّلَهُم عَلَى الإِمَامِ عَلِيٍّ، حِينَ أَخَذَ بِرَأْيِ الخَلِيفَةِ عُمَرَ  فِي مَسْأَلَةِ المُتْعَةِ، وَتَرَكَ رِوَايَةَ الأَئِمَّةِ فِيهَا، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي مَحَلِّهِ.


المَوقِفُ مِنَ النِّسْبَةِ

وَأَمَّا مَوقِفُ عُلَمَائِنَا مِنَ النِّسْبَةِ الوَلائِيَّةِ وَتَعَدُّدِ صِيَغِهَا؛ فَهُوَ وَاضِحٌ فِي قَبُولِهِم كُلَّ نِسْبَةٍ تَدُلُّ عَلَى وَلاءِ أَهْلِ البَيتِ، لا يَأْنَفُونَ مِنْهَا لَفْظَةً، وَلا يَكْرَهُونَ مِنْهَا صِيغَةً؛ لأَنَّهَا دَالَّةٌ عَلَى وَلاءٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ تَعَدَّدَ إِطْلاقُهَا فِي العُرْفِ، أَو خُصِّصَتْ مِنْهَا نِسْبَةٌ بِفِئَةٍ دُونَ أُخْرَى.

وَمِنْهُ قَولُ الدكتور عَلِيّ سُلَيمان أَحْمَد ((1911-1995م)) فِي جَوَابِهِ عَنِ السُّؤَال: ((هَلْ تُوجَدُ فَوَارِقُ  بَينَ الشِّيعَةِ الجَعْفَرِيَّةِ وَالعَلَوِيَّةِ ؟.))

(( فَيَا سُبحان الله !! أَعَرَبِيٌّ وَتَسْأَلُ عَنْ وُجُودِ مُتَرَادِفَينِ لاسْمٍ وَاحِدٍ. وَالمَعْرُوفُ أَنَّ العَرَبِيَّةَ أَغْنَى اللُّغَاتِ بِهَذَا البَابِ، مَع المُلاحَظَةِ بِأَنَّ هَاتَينِ التّسْمِيَتَينِ لَيسَتَا الأَصْل، وَإِنَّمَا الاسْمُ الأَوَّلُ: الإِمَامِيَّةُ....
وَمَع ذَلِك فَقَدْ عُرِفُوا بِتَسْمِيَاتٍ أُخَرَ، اخْتَلَفَتْ كَمَا تَخْتَلِفُ تَسْمِيَةُ بُطُونِ العَشِيرَةِ الوَاحِدَة، فَتَارةً يُنْبَذُونَ بِاسْمِ الأَرفَاض، وَأُخْرَى يُسَمّون بِالمتاولة، أَو الشّيخِيّة أَو الشِّيعَة، وَغَيرِهَا وَغَيرِهَا، وَمِنْهَا تَسْمِيَة العَلَوِيّينَ التّي جُدِّدَتْ مُنْذ عِشْرِينِيّات هَذَا القَرْن...))14

فَتَأَمَّلْ قَولَهُ: ((عُرِفُوا بِتَسْمِيَاتٍ أُخَرَ..))؛ فَإِنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى تَعَدُّدِ الأَسْمَاءِ، وَلَكِنَّ الأَخَ الكَرِيمَ مُؤَلِّفَ ذَلِكَ الكِتَابِ لا يَرْضَى إِلاَّ تَسْمِيَةً وَاحِدَةً.

وَقَولُ الشَّيخ مُحَمَّد حَمدان الخَيِّر ((1906-1978م)):

مُتَوَالِيًا أُدْعَى وَأَيُّ غَضَاضَةٍ***للمَرْءِ إِنْ آلَ النَّبِيِّ تَوَالَى15

وَقَولُهُ:

وَإِنِّي لَشِيعِيُّ الوَلايَةِ وَالهَوَى***فَمَاذَا يَقُولُ الخَارِجِيُّ المُعَانِدُ16

فَتَأَمَّلْ: ((مُتَوَالِيًا أُدْعَى..وَإِنِّي لَشِيعِيُّ الوَلايَةِ..))؛ فَإِنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى رِضَاهُ بِعِدَّةِ تَسْمِيَاتٍ، وَلَكِنَّ مُؤَلِّفَ ذَلِكَ الكِتَابِ لا يَرْضَى إِلاَّ تَسْمِيَةً وَاحِدَةً.

وَقَولُ الشَّيخِ عَبد اللّطِيف إِبرَاهِيم ((1903-1995م)):

كُلُّنَا شِيْعَةُ الوَصِيِّ وَمَنْ***فَرَّقَ مَا بَيْنَنَا فَسَاءَ مَصِيْرَا17

وَقَولُ الشَّيخ يَعقوب الحسن:

فَعَلَى وَلايَتِهِم وَخَالِصِ حُبِّهِم***نَحْيَا وَنُبْعَثُ شِيعَةً وَنَدِينُ

وَلَكِنَّ مُؤَلِّفَ ذَلِكَ الكِتَابِ لَمْ تُعْجِبْهُ هَذِهِ الاصْطِلاحَاتُ؛ فَقَطَعَ كُلَّ صِلَةٍ للعَلَوِيِّينَ بِهَذِهِ الأَلْفَاظِ، غَيرَ مُلْتَفِتٍ إِلَى الفَرْقِ بَينَ دِلالَتِهَا عَلَى الوَلاءِ وَبَينَ دِلالَتِهَا عَلَى بِيئَةِ فِئَةٍ مُعَيَّنَةٍ، حَتَّى كَأَنَّهُ أَحْرَصُ عَلَى شُيُوخِنَا مِنْ أَنْفُسِهِم؛ وَأَعْلَمُ مِنْهُم بِخَصَائِصِ بِيئَتِهِم.

وَعَلَى هَذَا سَلَكَ فِي كِتَابِهِ مَسْلَكَ مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ وَحِيدٌ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا، لا يُشْبِهُ أَحَدًا وَلا يُشَابِهُهُ أَحَدٌ، فَأَصَابَ مَنْ تَمَثَّلَ:

كَأَنَّ رَبَّكَ لَمْ يَخْلُقْ لِخَشْيَتِهِ***سِوَاهُمُ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ إِنْسَانَا18

وَيَظْهَرُ أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ سَبِيلاً للخُرُوجِ مِنْ خَوفِهِ إِلاَّ بِعَزْلِ العَلَوِيِّينَ عَنِ الشِّيعَةِ؛ ظَنًّا بِأَنَّهُ يَحْمِيهِم مِنَ التَّبْشِيرِ وَيَدْفَعُ عَنْهُم أَسَاطِيلَ تَتَرَبَّصُ بِهِم، وَمَا ذَلِكَ إِلاَّ لإِهْمَالِهِ كَلامَ شُيُوخِنَا فِي هَذَا السِّيَاقِ، وَإِعْرَاضِهِ عَنْ مَنْهَجِهِم حِينَ عَبَّرُوا عَنْ تَمَيُّزِ العَلَوِيِّينَ بِمَفَاهِيمَ مُحَدَّدَةٍ، هِيَ: البِيئَةُ وَالعَادَاتُ، وَالاجْتِهَادَاتُ، وَالمَواقِفُ الفِكْرِيَّةُ، وَدَفَعُوا كُلَّ لَفْظَةٍ تُوهِمُ أَنَّ لَهُم مَذْهَبًا غَيرَ المَذْهَبِ الجَعْفَرِيِّ.

وَمِنْهُ قَول العَلاّمَة الشَّيخ سُلَيمَان أَحْمَد: ((لا فَرْقَ بَينَهُم وَبَينَ الإِمَامِيَّةِ إِلاَّ مَا أَوجَبَتْهُ السِّيَاسَةُ وَالبِيئَةُ وَعَادَاتُ العَشَائِرِ...)).19

وَقَولُ الشَّيخ مَحْمُود الصَّالح ((1912-1998م)):

((إِنَّ العَلَوِيَّ وَالشِّيعِيَّ وَالإِمَامِيَّ وَمَا إِلَى ذَلِكَ أَسْمَاءٌ كَثِيرَةٌ لِمُسَمّىً وَاحِدٍ، فِرْقَةٌ وَاحِدَةٌ بِوَحْدَةِ مَذْهَبِهَا، لا فِرَقٌ مُتَعَدِّدَةٌ بِتَعَدُّدِ أَسْمَائِهَا.وَلَكِنَّ تَوَحُّدَهَا بِالوَلاءِ وَالمَذْهَبِ، لا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ لِكُلٍّ مِنْهَا عَادَاتٌ مُتَّبَعَةٌ وَتَقَالِيدُ مَورُوثَةٌ، وَمُجْتَهِدُونَ يُؤْخَذُ فِيهَا بِأَقْوَالِهِم وَآرَائِهِم...)).20

وَقَولُ الدكتور عَلِيّ سُلَيمَان الأَحْمَد:

((أَنَّنَا؛ وَإِنْ كُنَّاـ حَقًّا وَصِدْقًاـ شِيعَةً؛ بَلْ وَاثْنَي عَشَرِيَّةً؛ فَإِنَّ لَنَا مَوَاقِفَ فِكْرِيَّةً وَتَصَوُّرَاتٍ رُوحِيَّةً لِحَقَائِقِ الإِسْلامِ؛ نَمْتَازُ بِهَا عَمَّا عَلَيهِ الجُمْهُورُ..)).

وَلَكِنَّ مُؤَلِّفَ ذَلِكَ الكِتَابِ لَمْ يَرُقْهُ هَذَا التَّعْبِيرُ، وَلَمْ يَكْفِهِ ذَلِكَ التَّمَيُّزُ؛ فَتَوَهَّمَ مَذْهَبًا جَدِيدًا لَمْ يَسْمَعْ بِهِ غَيرُهُ، وَرُبَّمَا أَوهَمَهُ مَا رَأَى مِنْ تَدَاخُلِ الأَلْفَاظِ، فَظَنَّ أَنَّ لَفْظَةَ ((التَّشَيُّعِ)) لا تَحْمِلُ لَهُ غَيرَ خَرَابِ دِيَارِهِ، وَامِّحَاءِ آثَارِهِ؛ ظَنًّا أَنَّهُ إِذَا نَطَقَ بِهَا خَرَجَ مِنْ عَلَوِيَّتِهِ، وَارْتَدَّ عَنْ دِينِهِ، فَتَمَثَّلْ:

لَو كَانَ مَنْ قَالَ: نَارًا؛ أَحْرَقَتْ فَمَهُ***لَمَا تَفَوَّهَ بِاسْمِ النَّارِ مَخْلُوقُ21

وَإِنْ هِيَ إِلاَّ لَفْظَةٌ لَهَا مَعْنَيَانِ؛ مَعْنىً دِينِيٌّ، وَمَعْنَىً اجْتِمَاعِيٌّ.

  1. الأَوَّلُ: مُوَالاةُ أَهْلِ البَيتِ اعْتِقَادًا بِإِمَامَتِهِم وَعِصْمَتِهِم وَتَفْضِيلِهِم، وَهَذَا المَعْنَى مَقْبُولٌ مَعْمُولٌ بِهِ.
  2. وَالآخِرُ: التَّدَخُّلُ فِي خَصَائِصِ البِيئَةِ العَلَوِيَّةِ وَعَادَاتِهَا وَتَقَالِيدِهَا، وَهَذَا المَعْنَى مَرْفُوضٌ مَرْدُودٌ.

وَكُلُّ مَا فِي الأَمْرِ أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ كَانَتْ تَدُلُّ عَلَى الوَلاءِ، ثُمَّ  اكْتَسَبَتْ دِلالَةً أُخْرَى؛ فَصَارَتْ تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى نَقْلِ ثَقَافَةٍ مِنْ بِيئَةٍ إِلَى أُخْرَى، وَكَانَ الأَولَى أَنْ يُفَرِّقَ المُؤَلِّفُ بَينَ المَعْنَيَينِ؛ لا أَنْ يَجْعَلَهُمَا بِمَعْنىً وَاحِدٍ. وَلَو أَنَّهُ صَبَرَ عَلَى القِرَاءَةِ؛ لَرَأَى كَيفَ اسْتَعْمَلَهَا شُيُوخُنَا، وَفَرَّقُوا بَينَ مَعَانِيهَا، فَحَدَّدُوا المَقْبُولَ مِنْهُمَا وَالمَرْفُوضَ.


1ـ الدِّلالَةُ المَقْبُولَةُ

التَّشَيُّعُ: بِمَعْنَى مُوَالاةِ أَهْلِ البَيتِ، وَهُوَ مَنْهَجُ العَلَوِيِّينَ، وَمِنْهُ قَولُ الشَّيخ أَحْمَد حَيدر ((1898 - 1975م)): ((العَلَوِيُّ مُسْلِمٌ؛ يَرَى أَنَّ التَّشَيُّعَ تَمَامُ الإِسْلامِ، وَبِدُونِهِ يَكُونُ الإِسْلامُ نَاقِصًا...))22

وَقَولُ الدّكتور عَلِيّ سُلَيمان الأَحْمَد: ((جَوهَرُ التَّشَيُّعِ وَلُبَابُهُ ـ بَعْدَ الإِيمَانِ بِاللهِ وَرُسُلِهِ ـ هُوَ الوَلاءُ لأَهْلِ البَيتِ، وَأَنَّ لَهُم وَحْدَهُمُ القَيُّومِيَّةَ عَلَى دِينِ اللهِ، وَحَقَّ الإِفْصَاحِ عَمَّا نَزَلَ فِي كِتَابِهِ..))23  

وَقَولُ الشَّيخ مَحمود الصَّالِح: ((لَيسَ التّشَيُّعُ إِلاَّ مُوَالاةُ الإِمَامِ عَلِيّ  وَبَنِيهِ الأَئِمَّةِ المَعْصُومِينَ.. إِنَّ كَلِمَةَ ((عَلَوِيٍّ)) هِيَ الاسْمُ الحَقِيقِيُّ للتَّشَيُّعِ، وَالعُنْوَانُ الأَكِيدُ الصَّرِيحُ للوَلاءِ..))24  

وَقَولُ الشَّيخ عَلِيّ أَحْمَد كَتّوب:

أَخْشَى الحِسَابَ وَلِي جَنَانٌ عَالِقٌ***بِوَلاءِ أَهْلِ البَيْتِ لا يَتَزَعْزَعُ
كَلاَّ مَعَاذَ اللهِ لا أَخْشَى وَهَلْ***يَخْشَى امْرُؤٌ أَضْحَى لَهُم يَتَشَيَّعُ25

وَلِذَلِكَ رَأَى شُيُوخُنَا أَنَّ اسْتِعْمَالَ هَذِهِ اللَّفْظَةِ بِهَذَا المَعْنَى، ضَرْبٌ مِنَ العَبَثِ؛ لأَنَّ العَلَوِيَّ شِيعِيٌّ بِدِلالَةِ نِسْبَتِهِ المَبْنِيَّةِ عَلَى مُوَالاةِ الإِمَامِ؛ فَلا يَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يَدْعُوهُ إِلَيهَا، وَهَلْ يُدْعَى إِلَى شَيءٍ وُلِدَ عَلَيهِ، وَمِنْهُ قَولُ الشَّيخ مُحَمَّد حَسن شَعْبَان: 

وَلَقَدْ وُلِدْتَ لآلِ أَحْمَدَ شِيعَةًَ***أَفَيَطْلُبُونَ إِلَيكَ أَنْ تَتَشَيَّعَا26

وَقَولُ الدكتور عَلِيّ سُلَيمَان الأَحْمَد: ((أَمِثْلُ أَتْبَاعِ الحُسَينِ بنِ حَمْدَانَ يُدْعَونَ للتَّشَيُّعِ؟. وَمَا هُوَ لُبَابُ التَّشَيُّعِ، وَالأَخْذُ بِمَدَاهُ الأَقْصَى، إِنْ لَمْ يَكُنْ مَا هُم فِيهِ وَعَلَيهِ..))27  

وَقَولُهُ: ((تَكَرَّرَتْ وَتَكَاثَرَتِ الدَّعَوَاتُ لِتَشْيِيعِ العَلَوِيِّينَ.. وَكَأَنَّهُ وَيَا لَلْعَجَبِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ خِلافٌ أَو شَكٌّ فِي تَشَيُّعِنَا... فَهَلْ للتَّشَيُّعِ مِيزَةٌ أَكْبَرُ مِنْ حَصْرِ القَيُّومِيَّةِ عَلَى دِينِ اللهِ، وَالإِفْصَاحِ عَمَّا أُنْزِلَ، بِالأَئِمَّةِ المَعْصُومِينَ، وَعَلَى هَذَا؛ فَهَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَسْبِقَهُم أَحَدٌ إِلَى صَمِيمِ التَّشَيُّعِ..)).


2ـ الدِّلالَةُ المَرْفُوضَةُ

التَّشَيُّعُ: بِمَعْنَى نَقْلِ ثَقَافَةِ فِئَةٍ مَا إِلَى المُجْتَمَعِ العَلَوِيِّ، وَتَغْيِيرِ خَصَائِصِ بِيئَتِهِ، أَو مَنَاهِجِ أَعْلامِهِ، وَهَذَا مَرْدُودٌ إِلَى قَائِلِهِ، وَمِنْهُ قَولُ الدكتور عَلِيّ سُلَيمَان الأَحْمَد:

((تَأْتِينَا دَعْوَةٌ للتَّشَيُّعِ، مَصْدَرُهَا سِيَاسِيٌّ أَكْثَرَ مِمَّا هُوَ دِينِيٌّ، تَأْتِينَا مِنَ الخَارِجِ، وَقَدْ تَبَنَّاهَا عِدَّةُ مَرَاجِعَ مِنْ إِخْوَانِنَا إِمَامِيَّةِ العِرَاقِ وَالكويت وَإِيران...إِنَّ هَذَا النَّوعَ مِنَ الدَّعْوَةِ للتَّشَيُّعِ مَرْفُوضٌ شَكْلاً وَمَوضُوعًا..))28 .


النَّتِيجَةُ مِمَّا تَقَدَّمَ

الكَلامُ عَلَى هَذِهِ الاصْطِلاحَاتِ قَبْلَ تَحْقِيقِ مَعَانِيهَا؛ مَفْسَدَةٌ وَفِتْنَةٌ، وَلَيسَتْ تَمَيُّزًا وَلا مُحَافَظَةً عَلَى خَصَائِصِ البِيئَةِ العَلَوِيَّةِ.

أَقَرَأَ ذَلِكَ المُؤَلِّفُ شَيئًا مِنْ هَذَا.؟. أَمِ اكْتَفَى بِمَا يَخْطُرُ فِي ذِهْنِهِ.؟.

أَيَحْسَبُ أَنَّ شُيُوخَنَا قَعَدُوا عَنِ الوَاجِبِ عَلَيهِم، وَقَصَّرُوا فِي تَبْوِيبِ قَضَايَا عُصُورِهِم، وَتَحْدِيدِ دَلائِلِهَا، وَتَصْنِيفِ مَفَاهِيمِهَا، فَحَرَّكَتْهُ الحَمِيَّةُ إِلَى الكِتَابَةِ، وَدَفَعَهُ التَّعَصُّبُ لِبِيئَتِهِ إِلَى الخَوضِ فِي هَذِهِ الأَبْحَاثِ.؟.

وَلَيتَ مَنْ هَمَّ بِالكِتَابَةِ فِي هَذَا البَابِ سَلَكَ مَسْلَكَ العُلَمَاءِ، وَنَهَجَ مَنْهَجَ المُحَقِّقِينَ؛ فَإِنْ أَعْيَاهُ فَلْيَتَمَثَّلْ شَيئًا مِنْ بَيَانِهِم، وَمِنْهُ قَولُ الشَّيخ مَحمود سُلَيمَان الخَطِيب:

لَو سَلَكْنَا فِي ضُحَانَا جُدَدًا***وَلَزِمْنَا السَّيرَ فِيمَا لَحَبَا
وَسَأَلْنَا رَبَّنَا مِنْ نُورِهِ***قَبَسًا يَكْشِفُ عَنَّا الكَرَبَا
وَأَخَذْنَا مِنْ بَنِي فَاطِمَةٍ***عَنْ رَسُولِ اللهِ مَا قَدْ وَجَبَا
وَاحْتَفَظْنَا بِالّذِي نَعْرِفُهُ***وَتَجَاوَزْنَا المُعَمَّى المُغْرَبَا
وَاعْتَصَمْنَا بِالّذِي لا رَيبَ فِي***حَقِّهِ مِمَّا يُثِيرُ الرِّيبَا
لَمْ نَهِمْ فِي كُلِّ فَيفَاءٍ نَأَتْ***وَنَشِمْ فِي الغَيمِ بَرْقًا خُلَّبَا
وَلَمَا خُضْنَا بِلا جَارِيَةٍ***مِنْهُمُ ذَاكَ الخِضَمَّ الغَيهَبَا
وَرَكِبْنَا لُجَّةً مِنْ دُونِهِم***أَغْرَقَتْ مِنْ قَبْلِنَا مَنْ رَكِبَا29

وَإِنَّ فِي هَذِهِ الأَبْيَاتِ مَا يُسَاعِدُ القَارِئَ عَلَى تَخَيُّلِ ذَلِكَ الكِتَابِ؛ حَتَّى كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيهِ وَيَرَى مَا فِيهِ مِنْ تَجَاوُزِ البَيَانِ وَالإِفْصَاحِ إِلَى الإِغْرَابِ وَالتَّعْمِيَةِ.

إِنَّ أَقَلَّ دَرَجَةٍ مِنْ دَرَجَاتِ الوَفَاءِ لأَعْلامِنَا السَّابِقِينَ؛ أَنْ نَقْرَأَ كُتُبَهُم، لا أَنْ نَكْتَفِيَ بِتَرْدِيدِ أَسْمَائِهِم، وَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ يَسْتَدْرِكُ عَلَيهِم شَيئًا قَصَّرُوا فِي بَيَانِهِ؛ فَذَلِكَ شَأْنُهُ، وَلَسْتُ مِمَّنْ يَغْمِزُ فِي أَقْدَارِهِم، وَلا مِمَّنْ يَسْتَخِفُّ بِآثَارِهِم، وَمَا كَتَبْتُ إِلاَّ مَا فَهِمْتُ، وَمَا هُوَ إِلاَّ رَأْيٌ رَأَيتُهُ لا أَدَّعِي فِيهِ مَا يَدَّعِيه مُؤَلِّفُ ذَلِكَ الكِتَابِ، وَلا أَنُوبُ فِيهِ عَنْ أَحَدٍ، وَلا أُمَثِّلُ فِيهِ أَحَدًا؛ فَإِنْ أَصَبْتُ؛ فَذَلِكَ بِفَضْلِ اللهِ وَنِعْمَتِهِ، وَإِنْ أَخْطَأْتُ؛ فَعَلَيَّ التَّبِعَةُ؛ مُتَمَثِّلاً قَولَ العَلاَّمَة الشَّيخ سُلَيمَان أَحْمَد:

فَإِنْ أَصَبْتُ الّذِي حَاوَلْتُهُ فَبِهَا***وَإِنْ أَسَأْتُ فَإِنَّ القَصْدَ إِحْسَانُ30

لا أَزَالُ ـ وَأَسْأَلُ اللهَ أَنْ أَبْقَى ـ مَشْدُودًا إِلَى السَّابِقِينَ مِنْ أَعْلامِنَا أَهْلِ الفَضْلِ وَالفَضِيلَةِ، رَهِينَ السَّلَفِ، وَأَسِيرَ أَدَبِهِم، وَسَجِينَ أَفْكَارِهِم، وَحَبِيسَ آثَارِهِم؛ مُقِرًّا لَهُم بِالفَضْلِ، وَمُعْتَرِفًا لَهُم بِالسَّبْقِ؛ مُتَمَثِّلاً قَولَ الشَّيخ عَبد الكَرِيم مُحَمّد ((1978 - 1935م)):

لَئِنْ ظَفِرْنَا مِنَ العِلْمِ الشَّرِيفِ بِمَا***يُنْجِي مِنَ الغُلِّ أَو يَرْوِي مِنَ الغَلَلِ
فَالفَضْلُ فِيهِ لِمَاضِينَا وَسَابِقِنَا***وَمَنْ سَرَى فَضْلُهُم فِي السَّهْلِ وَالجَبَلِ
يَا أَيُّهَا السَّادَةُ السَّامُونَ فِي شَرَفٍ***تَاللهِ إِنَّ رِضَاكُم مُنْتَهَى أَمَلِي
إِنْ لامَنِي فِي هَوَاكُم لائِمٌ فَبِكُم***صَفَا يَقِينِي يَقِينِي فِتْنَةَ العَذَلِ

وَمَاذَا يُسَمَّى اجْتِنَابُ ذِكْرِ السَّابِقينَ وَتَجَاوُزُ آثَارِهِم.؟. 

أَحَيَاءً أَم خَجَلاً.؟. أَم خَوفَ قَارِئٍ يَعُرُّ مَنْ ذَكَرَهُم.؟. أَمْ ظَنًّا بِأَنَّ مَوتَ أَجْسَامِهِم يَقْتَضِي فَنَاءَ أَقْلامِهِم.؟. أَم لَيسَ فِي أَدَبِهِم مَا يَصْلُحُ لأَيَّامِنَا كَمَا صَلَحَ لأَيَّامِهِم.؟.

مَنْ رَأَى ذَلِكَ؛ تَمَثَّلْتُ فِي رَدِّهِ قَولَ الشَّيخ كَامِل الخَطِيب ((1900 - 1992م)):

تِلْكَ القُبُورُ أَعَزَّ اللهُ جَانِبَهَا***وَزَادَهَا مِنْحَةً مِنْ نُورِهِ وَجَدَا
الطَّالِعُونَ عَلَى الدُّنْيَا بِبَهْجَتِهِم***وَالحَامِلُونَ لِوَاءَ الخُلْدِ مَا خَلَدَا
وَالذَّاهِبُونَ وَيَبْقَى ذِكْرُهُم أَبَدًا***بَقَاؤهُ يَتَحَدَّى الدَّهْرَ وَالأَبَدَا31

وَالحَمْدُ للهِ لِمَا وَفَّقَ لَهُ، مَشْفُوعًا بِالشُّكْرِ الجَزِيلِ لِمَقَامِ الإِمَامِ الجَلِيلِ أُسْتَاذِنَا الشَّيخ عَبد اللّطيف سَعّود، أَبُو أَمْجَد، بِالرَّفْعِ عَلَى الحِكَايَةِ، لا زَالَ قَدْرُهُ عَالِيًا، وَإِحْسَانُهُ مُتَوَالِيًا.
المُتَيَقِّظِ وَالقَومُ نَائِمُونَ، وَالمُتَنَبِّهِ وَالكَثِيرُ سَاهُونَ، وَالثِّقَةِ الّذِي كَانَ يَصِفُهُ الشَّيخ حُسَين سَعّود بِضَابِطِ إِيْقَاعِ الوَلاءِ، وَأَرَاهُ مُجَدِّدَ خُطَى الأَولِيَاءِ، وَحَافِظَ تُرَاثِهِم، وَحَارِسَ نَهْجِهِم؛ فَإِذَا خَاطَبْتُهُ تَمَثَّلْتُ قَولَ الشَّيخ حُسَين سَعّود:

يَا سَيِّدًا لَسْتُ أَهْوَاهُ لِمَنْفَعَةٍ***بِالمَالِ أَو لِيُزِيلَ الوَقْرَ عَنْ كَتِفِي
وَلا لِيَكْفِيَنِي كَيدَ العَدُوِّ إِذَا***هَبَّتْ أَعَاصِيرُهُ يَبْغِي بِهَا تَلَفِي
لَكِنْ لِدِينٍ وَإِّيمَانٍ وَمَعْرِفَةٍ***وَحِفْظِ عَهْدٍ وَصِدْقِ الرَّأْيِ وَالهَدَفِ
هِيَ الصِّفَاتُ الجَلِيلاتُ الّتِي مَلَكَتْ***لُبِّي فَرُحْتُ أَسِيرَ الحُبِّ وَالشَّغَفِ32

وَهَا أَنَا أَضَعُ كِتَابِي هَذَا بَينَ يَدَيهِ؛ لِيَرَى فِيهِ رَأْيَهُ، وَيُصْدِرَ عَلَيهِ حُكْمَهُ؛ فَإِنْ رَأَى إِجَازَتَهُ أَجَزْنَاهُ، وَإِنْ رَأَى تَعْدِيلَهُ عَدَّلْنَاهُ، وَإِنْ رَأَى إِلْغَاءَهُ أَلْغِينَاهُ فَلَسْتُ أُقِرُّ إِلاَّ مَا أَقَرَّهُ، وَلا أُصَوِّبُ إِلاَّ مَا صَوَّبَهُ، وَإِنِّي وَإِنْ كُنْتُ أَصْغَرَ مُقَلِّدِيهِ، وَأَقَلَّ طُلاَّبِهِ وَمُرِيدِيهِ؛ فَإِنَّ لِي نِسْبَةً فِي مُحِبِّيهِ، وَشَرفًا أَنْ أُعَدَّ مِنْ مَوَالِيهِ.

أَيَّدَهُ اللهُ وَرَعَاهُ، وَأَعَزَّهُ وَاجْتِبَاهُ، لِمَا أَولَى مِنَ الفَضْلِ وَأَسْدَى مِنَ المَعْرُوفِ؛ بِإِطْلاعِي عَلَى ذَلِكَ الكِتَابِ، وَمَا تَقَدُّمُهُ فِي كِتَابِي إِلاَّ كَتَقَدُّمِ الوُضُوءِ عَلَى الصَّلاةِ، وَالنِّصَابِ عَلَى الزَّكَاةِ، وَالمَوصُوفِ عَلَى الصِّفَاتِ، شُكْرًا مَحْفُوفًا بِالثَّنَاءِ عَلَى خِيرَةِ الأَبْنَاءِ؛ الصَّدِيقِ العَزِيزِ الشَّيخ عَاصِم، وَفَقَّهُ اللهُ، مَوصُولاً بِالتَّرَحُّمِ عَلَى الآبَاءِ، مَخْتُومًا بِرَجَاءِ الدُّعَاءِ، بِبَرَكَةِ الصَّلاةِ عَلَى خَاتَمِ الأَنْبِيَاءِ وَالسَّلامِ عَلَى آخِرِ الأَوصِيَاءِ.

كَاتِبُهُ
تَمَّام أَحْمَد
كُتِبَ لِـ 4/جُمَادى الآخِرَة/1445هـ.
16\12\2023م.

 

  • 1دِيوان دعبلٍ الخُزاعي ص76.
  • 2يُنْظَرُ: تَاجُ العَرُوس مِنْ جَوَاهِر القَاموس.
  • 3الإِمَام الشَّيخ سُلَيمان الأَحْمد ص129.
  • 4فِي رِحَاب الذّكرى ص336.
  • 5فِي أَرْبَعِين العَلاّمة الشّيخ سُلَيمان أَحْمَد، ديوان الخطيب ص142.
  • 6عِقْد الجُمَانِ ص156.
  • 7ديوان الشّيخ عليّ أحمد كتوب 1\137.
  • 8فِي رِحَاب الذّكرى ص446.
  • 9ـ نفحات العرفان ص135.
  • 10ـ نَدِيم مُحَمّد ((1908ـ 1994م)). الأَعْمَالُ الشِّعْرِيَّةُ الكَامِلة 4\453.
  • 11جَمْهَرة الأَمثَالِ 2\156.
  • 12من هو العلوي 1\30.
  • 13مجلة النهضة ع7، ص310.
  • 14الجواب عن السؤال الأخير من أسئلة الأستاذ نبيل فياض.
  • 15ديوان الشَّاعر الشيخ محمّد حمدان الخَيِّر 2\149.
  • 16المَصْدَرُ نَفْسُهُ 1\270.
  • 17التُّرَاثُ الأَدَبِيُّ للعَلاّمَةِ الشَّيْخ عَبْد اللّطِيف إِبْرَاهِيْم 1\378.
  • 18العِقْد الفِرِيد 3\18. مِنْ أَبْيَاتٍ تُنْسَبُ إِلَى قُرَيطِ بنِ أُنَيفٍ.
  • 19خِطَطُ الشام 6\262.
  • 20النبأ اليقين عن العلويين، ص47.
  • 21ديوان أَبِي نُواس، ص383.
  • 22 من هو العلوي 1\123.
  • 23العَلَوِيَّةُ بينَ الحَقِيقَةِ وَالظُّنُونِ.
  • 24النبأ اليقين عن العلويين ص47، 48.
  • 25دِيوان الشَّاعِر الشَّيخ عَلِيّ أَحْمد كتّوب 1\215.
  • 26نفحات العرفان ص184.
  • 27من كلمةٍ له سنة 1983م في الذكرى الواحدة والأربعين لوفاة الشيخ سليمان أحمد.
  • 28المَصْدَرُ نَفْسُهُ.
  • 29ديوان الخطيب ص89.
  • 30الإِمَام الشَّيخ سُلَيمان الأَحْمَد ص128.
  • 31مِنْ قَصِيدَةٍ لَهُ فِي رِثَاءِ الدكتور يوسف يوسف.
  • 32فِي رِحَابِ الذِّكْرى ص376.