عِلَّةُ التَّعْقِيبِ
إِنْ قَالَ قَائِلٌ: لَقَدْ بَالَغْتَ فِي نَقْدِكَ، وَأَينَ الإِشْكَالُ إِذَا وَقَعَ فِي الكِتَابِ غَلَطٌ مَا، فَقَدْ يَسْهُو الإِنْسَانُ وَذَلِكَ طَبِيعِيٌّ؛ فَلِمَاذَا تُعَقِّبُ عَلَى تَبْدِيلِ لَفْظَةٍ بِأُخْرَى، أَو اصْطِلاحٍ بِآخَرَ، وَمَا ذَلِكَ الخَطْبُ العَظِيمُ.؟.
قُلْتُ: لَو كَانَتِ الأَلْفَاظُ بِلا ضَوَابِطَ تُحَدِّدُ مَا يُقَالُ وَمَا لا يُقَالُ؛ لَمَا جَاءَ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ أَمْرٌ بِلَفْظٍ بِعَينِهِ وَنَهْيٌ عَنْ لَفْظٍ بِعَينِهِ، وَلَمَا قَرَأْتَ عِبَارَةَ: ((قُلْ وَلا تَقُلْ)) مَرْوِيَّةً عَنْ نَبِيٍّ أَو وَصِيٍّ أَو وَلِيٍّ.
أَقَرَأْتَ فِي كِتَابِ اللهِ قَولَهُ تَعَالَى: يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقُولُوا۟ رَٰعِنَا وَقُولُوا۟ ٱنظُرْنَا. [سورة البقرة 104] ؟. فَإِنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى قَاعِدَةِ: قُلْ وَلا تَقُلْ.
أَقَرَأْتَ فِيمَا رُوِيَ عَنِ الإِمَامِ البَاقِرِ وَقَدْ قَالَ رَجُلٌ بِحَضْرَتِهِ: ((اللَّهُمَّ أَغْنِنَا عَنْ جَمِيعِ خَلْقِكَ، فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : لا تَقُلْ هَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: اللَّهُمَّ أَغْنِنَا عَنْ شِرَارِ خَلْقِكَ؛ فَإِنَّ المُؤمِنَ لا يَسْتَغْنِي عَنْ أَخِيهِ))1 ؟. وَرَأَيتَ كَيفَ نَهَى المُتَكَلِّمَ عَنْ لَفْظٍ وَأَمَرَهُ بِآخَرَ، لِتَمْتَازَ الأَلْفَاظُ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، وَيَظْهَرَ لَهُ الفَرْقُ بَينَ الصَّحِيحِ وَالخَطَأِ وَالصَّوَابِ وَالغَلَطِ.
أَقَرَأْتَ فِيمَا رُوِيَ عَنِ الإِمَامِ الكَاظِمِ : (( قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى: كَتَبْتُ إِلَيهِ فِي دُعَاءِ (( الحَمْدُ للهِ مُنْتَهَى عِلْمِهِ)) فَكَتَبَ (ع): لا تَقُولَنَّ مُنْتَهَى عِلْمِهِ؛ فَإِنَّهُ لَيسَ لِعِلْمِهِ مُنْتَهىً، وَلَكِنْ قُلْ: مُنْتَهَى رِضَاهُ.))2 ؟.
أَمَا إِنَّ فِي هَذِهِ الشَّوَاهِدِ مَا يَدُلُّ عَلَى قَدْرِ الكَلِمَةِ وَخَطَرِ اللَّفْظَةِ.
جَاءَ فِي كِتَابِ الكَشكول:
(( يُحْكَى عَنْ بَعْضِ الخُلَفَاءِ أَنَّهُ رَأَى فِي المَنَامِ أَنَّ أَسْنَانَهُ سَقَطَتْ بِأَجْمَعِهَا، فَقَصَّ رُؤْيَاهُ عَلَى بَعْضِ المُعَبِّرِينَ، فَقَالَ: يَمُوتُ كُلُّ أَقَارِبِكَ وَأَهْلِكَ، وَتَبْقَى وَحْدَكَ، فَتَشَاءَمَ الخَلِيفَةُ مِنْ هَذَا التَّعْبِيرِ، وَغَضِبَ وَأَمَرَ بِقَلْعِ جَمِيعِ أَسْنَانِ المُعَبِّرِ، وَأَرَادَ قَتْلَهُ لَولا شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ، ثُمَّ قَصَّ رُؤْيَاهُ هَذِهِ عَلَى مُعَبِّرٍ آخَرَ، فَقَالَ المُعَبِّرُ: أَبْشِرْ يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ، فَإِنَّ عُمُرَكَ يَكُونُ أَطْوَلَ مِنْ أَعْمَارِ سَائِرِ أَقَارِبِكَ، فَهَشَّ الخَلِيفَةُ لِكَلامِهِ، وَأَخَذَ فِي تَكْرِيمِهِ..))3
وَمَنْ تَأَمَّلَ هَذِهِ الحِكَايَةَ، تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ للتَّعْبِيرِ أُصُولاً، وَللخِطَابِ حُدُودًا، فَقَدْ فَسَّرَ المُعَبِّرَانِ الرُّؤْيَا بِمَعْنىً وَاحِدٍ؛ غَيرَ أَنَّ أَحَدَهُمَا كَانَ أَلْطَفَ مَنْطِقًا وَأَبْلَغَ لِسَانًا، وَقَدْ تَقَعُ الكَلِمَةُ مَوقِعَ المَاءِ مِنَ الظَّامِئِ، وَمَوقِعَ الأَلَمِ مِنَ المُعَافَى.
وَعَلَى هَذَا المَنْهَجِ سَلَكْتُ فِي تَعَقُّبِ بَعْضِ أَبْوَابِ الكِتَابِ، مُقْتَفِيًا آثَارَ أَعْلامِنَا فِي أَمْرَينِ؛ فِي دِقَّةِ الكَلِمَةِ فِي بَيَانِهِم، أَخْذًا بِقَولِ أَمِيرِ المُؤمِنِينَ عَلِيٍّ : ((بِالكَلامِ ابْيَضَّتِ الوُجُوهُ، وَبِالكَلامِ اسْوَدَّتِ الوُجُوهُ..))4 .
وَفِيمَا يَرونَ صَونَهُ وَاجِبًا وَسَلامَتَهُ عِبَادَةً، فَإِنَّ الدِّينَ أَنْفَسُ الأَشْيَاءِ فِي مَدْرَسَتِهِم، أَخْذًا بِقَولِ أَمِيرِ المُؤمِنِينَ :
(( إِذَا حَضَرَتْ بَلِيَّةٌ فَاجْعَلُوا أَمْوَالَكُم دُونَ أَنْفُسِكُم، وَإِذَا نَزَلَتْ نَازِلَةٌ فَاجْعَلُوا أَنْفُسَكُم دُونَ دِينِكُم وَاعْلَمُوا أَنَّ الهَالِكَ مَنْ هَلَكَ دِينُهُ، وَالحَرِبَ مَنْ سُلِبَ دِينَهُ..))5 .
وَعَلَى هَذَا رَتَّبَ أَعْلامُ الفِكْرِ العَلَوِيِّ النَّفَائِسَ فَكَانَ الدِّينُ أَعْلاهَا قِيمَةً وَأَغْلاهَا ثَمَنًا، وَمِنْهُ قَولُ الشَّيخ مُحَمَّد حَمْدَان الخَيِّر:
وَقَولُ الشَّيخ إِبرَاهِيم سَعّود:
إِنَّ المَدْرَسَةَ العَلَوِيَّةَ مِنْ أَكْثَرِ المَدَارِسِ احْتِرَامًا للعِلْمِ وَتَقْدِيرًا لأَهْلِهِ وَتَعْظِيمًا للإِنْسَانِيَّةِ الّتِي كَرَّمَهَا اللهُ وَفَضَّلَهَا بِقَولِهِ: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىٓ ءَادَمَ وَحَمَلْنَـٰهُمْ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَرَزَقْنَـٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَفَضَّلْنَـٰهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍۢ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًۭا. [سورة الإِسْرَاء 70].
وَمَنْ وَقَفَ عَلَى آثَارِ أَعْلامِهَا رَأَى مِصْدَاقَ مَا ذَهَبْتُ إِلَيهِ، وَمِنْهُ:
- قَولُ الشّيخ مُحَمّد ياسين: ((إِنَّنَا نَنْظُرُ إِلَى كُلِّ عَالِمٍ مُصْلِحٍ مُجْتَهِدٍ فِي المُسْلِمِينَ نَظَرَ الإِجْلالِ وَالاحْتِرَامِ، عَارِفِينَ لِكُلٍّ فَضْلَهُ وَحَقَّهُ...))7
.
- قَولُ الشَّيخ عبد اللّطيف إِبراهيم: ((إِنَّ المَذَاهِبَ الإِسْلامِيَّةَ: الجَعْفَرِيَّةَ وَالزَّيدِيّةَ وَالحَنَفِيَّةَ وَالشَّافِعِيَّةَ وَالحَنْبَلِيَّةَ وَالمَالِكِيَّةَ، كُلُّ مَا وَافَقَ مِنْهَا كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ رَسُولِهِ، بِالدَّلِيلِ الصَّحِيحِ الصَّرِيحِ، لا يَجُوزُ لأَيِّ مُسْلِمٍ كَانَ أَنْ يُخَالِفَهُ مُتَعَمِّدًا..))8 .
عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الخِطَابَ المُعْتَدِلَ لا يَعْنِي التَّخَلِّيَ عَنْ خَصَائِصِ الفِكْرِ، فَإِنَّ لِكُلِّ فِكْرٍ مَعَالِمَ تُمَيِّزُهُ مِنْ غَيرِهِ، فَإِذَا ضَاعَتْ مَعَالِمُهُ تَلاشَى وُجُودُهُ وَانْدَثَرَ كِيَانُهُ، وَمَا كَانَ العَلَوِيُّ لِيَرْضَى أَنْ تَذُوبَ شَخْصِيَّتُهُ فِي شَخْصِيَّةِ غَيرِهِ، وَلا أَنْ تُمْحَى خَصَائِصُ بِيئَتِهِ وَسِمَاتُ ثَقَافَتِهِ؛ قَلَّتْ أَو جَلَّتْ؛ بَلْ لَو كَانَتْ حَرْفًا وَاحِدًا، وَمِنْهُ قَولُ الشَّيخ حُسَين سَعُّود:
لَقَدْ عَبَّرَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَكِّرِينَ عَنِ احْتِرَامِ الإِنْسَانِيَّةِ بِجَمِيعِ أَلْوَانِهَا، وَتَقْدِيرِ اخْتِلافِ الثَّقَافَاتِ، غَيرَ أَنَّ لِذَلِكَ حُدُودًا لا تَهَاوُنَ بِهَا وَلا تَسَامُحَ فِي تَعَدِّيهَا، وَمِنْ هَذَا البَابِ قَولُ غَاندي ((1869 - 1948م)):
((أُرِيدُ أَنْ تَهُبَّ رِيَاحُ الثَّقَافَاتِ مِنْ جَمِيعِ البُلْدَانِ، وَتَصْدَحَ حَولَ بَيتِي فِي حُرِّيَّةٍ، وَلَكِنّي أَرْفُضُ أَنْ تَقْتَلِعَنِي مِنْ مَكَانِي ثَقَافَةٌ مِنْهَا، ذَلِكَ لأَنّي أَرْفُضُ أَنْ أَعِيشَ تَابِعًا أَو عَبْدًا..))10 .
وَكَيفَ يُحَافِظُ عَلَى تَمَيُّزِ بِيئَتِهِ مَنْ لا يُرَاعِي اصْطِلاحَاتِ أَعْلامِهَا ؟.
إِذَا كَانَ تَفْسِيرُ حَرْفٍ يُغَيِّرُ مَعْنَى جُمْلَةٍ، فَكَيفَ بِتَفْسِيرِ كَلِمَةٍ بِخِلافِ مَعْنَاهَا، أَو اسْتِبْدَالِ لَفْظٍ بِلَفْظٍ ؟.
جَاءَ فِي كِتَابِ مُغْنِي اللَّبِيبِ كَلامٌ مُلَخَّصُهُ: أَنَّ الهَمْزَةَ تَخْرُجُ عَنِ الاسْتِفْهَامِ الحَقِيقِيِّ إِلَى مَعَانٍ أُخَرَ، مِنْهَا: الإِنْكَارُ الإِبْطَالِيُّ: وَهَذِهِ تَقْتَضِي أَنَّ مَا بَعْدَهَا غَيرُ وَاقِعٍ، وَأَنَّ مُدَّعِيَهُ كَاذِبٌ، وَلِهَذَا كَانَ قَولُ جَرِيرٍ فِي عَبْدِ المَلِكِ بنِ مَرْوَانَ:
مَدْحًا، بَلْ قِيلَ: إِنَّهُ أَمْدَحُ بَيتٍِ قَالَتْهُ العَرَبُ؛ لأَنَّ الهَمْزَةَ فِي (( أَلَسْتُم )) للإِنْكَارِ الإِبْطَالِيِّ، وَلَو كَانَتْ عَلَى الاسْتِفْهَامِ لَمْ يَكُنْ مَدْحًا البَتَّةَ.11
فَتَأَمَّلْ. إِذَا كَانَ تَفْسِيرُ الهَمْزَةِ يُخْرِجُ البَيتَ مِنَ المَدْحِ إِلَى الذَّمِّ، فَكَيفَ بِتَفْسِيرِ كَلِمَةٍ فِي كِتَابٍ يُعَبِّرُ عَنْ مَذْهَبٍ بِرُمَّتِهِ وَطَائِفَةٍ بِأَسْرِهَا؟.
- 1تُحَفُ العُقُولِ عَنْ آلِ الرَّسُولِ، حِكَمٌ وَمَوَاعِظُ لأَبِي جَعْفَرٍ (ع) ص 213.
- 2المَصْدَرُ نَفْسُهُ، مَا رُوِيَ عَنِ الإِمَامِ مُوسى بن جَعْفَرٍ (ع) ص 301.
- 3الكشكول للعاملي 3، 248.
- 4تُحَفُ العُقُولِ عَنْ آلِ الرَّسُولِ، حِكَمُهُ (ع) وَمَوَاعِظُهُ ص154..
- 5المَصْدَرُ نَفْسُه ص154.
- 6ديوان الشاعر الشيخ محمد حمدان الخير 1، 342.
- 7مجلة النهضة ع8، 365 شهر تموز 1938م.
- 8الجواب عن السؤال الواحد من مسائل السيد أنس الشقفة.
- 9عِقْد الجُمَانِ ص156.
- 10مع الضمير الإنساني ص 225.
- 11مُغْنِي اللّبيب عن كُتُب الأعاريب 1، 15.
- 132 مشاهدة