النَّتِيجَةُ مِمَّا تَقَدَّمَ
هَذَا مُلَخَّصُ مَا يُؤْخَذُ مِنْ مُلاحَظَاتٍ عَلَى عُنْوَانِ الكِتَابِ، جَعَلْتُهُ فِي مُقَدِّمَةِ هَذِهِ النَّظَرَاتِ، وَمَهَّدْتُ بِهِ الكَلامَ عَلَى سَائِرِ التَّعْقِيبَاتِ.
وَوِدَدْتُ لَو أَنَّ وَاضِعَهُ أَو وَاضِعِيهِ يَعْدِلُونَ مِنْ لَفْظٍ إِلَى آخَرَ، لا يُوحِي بِتَفْضِيلٍ وَلا يُشْعِرُ بِانْتِقَاءٍ، فَإِنْ أَبَوا إِلاَّ أَنْ يَسْتَعْمِلُوهُ فَلْيُسَمُّوا مَنِ انْتَخَبَ وَمَنِ انْتُخِبَ، أَو فِي الأَقَلِّ وَاحِدًا مِنْ هَذَينِ؛ لِيَعْرِفَ العَلَوِيُّ مَنْ خَاطَبَهُ بِذَلِكَ الكِتَابِ، وَمَنْ يُخَاطِبُ إِنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْتَوضِحَ شَيئًا.
قَالَ تَعَالَى: فَلَمَّآ أَتَىٰهَا نُودِىَ يَـٰمُوسَىٰٓ ١١ إِنِّىٓ أَنَا۠ رَبُّكَ فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ ۖ إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًۭى ١٢ وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰٓ ١٣.[سورة طه]. فَصَرَّحَ بِالمُخَاطِبِ وَبِالمُخَاطَبِ، فَمَا لِتِلْكَ النُّخَْبَةِ ـ غَفَرَ اللهُ لَهُم ـ يُخَاطِبُونَ فَلا يُفْصِحُونَ، وَيُكَلِّمُونَ فَلا يُفْهِمُونَ، وَيُحَدِّثُونَ فَلا يُوضِحُونَ؟.
أَلا حَبَّذَا التَّيَمُّنُ بِكِتَابِ اللهِ، وَيَا لَيتَ القَومَ قَالُوا: إِنَّا نَحْنُ المُؤَلِّفُونَ، كَمَا قَال تَعَالَى: يَـٰمُوسَىٰٓ ١١ إِنِّىٓ أَنَا۠ رَبُّكَ. أَو كَمَا قَالَ نَبِيُّهُ: يُوسُفُ ۖ قَالَ أَنَا۠ يُوسُفُ وَهَـٰذَآ أَخِى ۖ.. [سورة يُوسف 90]. أَمْ يَسْتَحُونَ مِنَ التَّصْرِيحِ بِأَسْمَائِهِم؟.
لَقَدْ سَمَّى اللهُ نَبِيَّهُ فِي القُرْآنِ، فَقَالَ: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌۭ. [سورة آل عمران 144]. مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍۢ مِّن رِّجَالِكُمْ. [سورة الأحزاب 40]. مُّحَمَّدٌۭ رَّسُولُ ٱللَّهِ ۚ.. [سورة الفتح 29]. أَفَهُمْ خَيرٌ مِنْ رَسُولِ اللهِ؟؟.
إِذَا تَمَسَّكُوا بِأَنَّهُم نُخْبَةٌ مِنَ المَشَايِخِ؛ فَقَدْ طُبِعَتْ كُتُبٌ نُسِبَتْ إِلَى نُخْبَةٍ مِنَ الأُدَبَاءِ أَو النُّقَّادِ، غَيرَ أَنَّهَا ـ فِي الأَقَلِّ ـ كُتُبٌ يُصَرَّحُ بِاسْمِ مَنْ قَدَّمَ لَهَا، أَو بِمَكَانِ طَبْعِهَا، أَو زَمَانِهِ.
وَمِنْهَا ـ عَلَى سَبِيلِ المِثَالِ ـ كِتَابُ تَارِيخ الأَدَبِ الغَرْبِيِّ، بِخِلافِ هَذَا الكِتَابِ الّذِي لا تَعْرِفُ مَنْ طَبَعَهُ وَلا أَينَ وَلا مَتَى.
وَلَوِ اسْتَبْدَلُوا بِلَفْظِ ((نُخْبَةٍ)) غَيرَهُ، فَقَالُوا: تَأْلِيفُ فِئَةٍ أَو جَمَاعَةٍ أَو زُمْرَةٍ، لَكَانَ خَيرًا لَهُم وَلَنَا؛ اقْتِدَاءً بِأَعْلامِنَا الَّذِينَ كَانَ التَّوَاضُعُ شِعَارَهُم؛ فَإِنَّ تَصْدِيرَ كِتَابٍ بِاسْمِ نُخْبَةٍ مِنْ مَشَايخِ العَلَوِيِّينَ؛ يَحْتَمِلُ أَمْرَينِ:
- إِمَّا أَنَّهُم يُمَثِّلُونَ الطَّائِفَةَ العَلَوِيَّةَ كَافَّةً،
- وَإِمَّا أَنَّهُم يُمَثِّلُونَ أَنْفُسَهُم فَقَط؛
فَإِنْ كَانُوا يُمَثِّلُونَ أَنْفُسَهُم؛ فَإِنَّ الأَولَى أَنْ يَقُولُوا فِي مُقَدِّمَة الكِتَابِ مَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُم لا يَفْرِضُونَ عَلَى النَّاسِ آرَاءَهُم، وَذَلِكَ لأَنَّهُم اقْتَصَرُوا عَلَى أَقْوَالٍ لا تُوَافِقُ أَقْوَالَ المُتَقَدِّمِينَ مِنْ عُلَمَاءِ العَلَوِيِّينَ.
وَإِنْ كَانُوا يُمَثِّلُونَ العَلَوِيِّينَ جَمِيعًا ـ وَلا أَظُنُّهُم يَقُولُونَهَا ـ فَإِنَّ الأَولَى أَنْ يَذْكُرُوا مَوَاقِفَ السَّابِقِينَ مِنْ أَمْثَالِ هَذِهِ الأُمُورِ؛ لِيَرَى القَارِئُ فِي كِتَابِهِم آثَارَ مَنْ مَضَى مِنْ أَعْلامِهِ.
وَكَيفَ تَكُونُ للكِتَابِ صِبْغَةٌ عَلَوِيَّةٌ وَهُوَ عَلَى هَذِهِ الحَالِ، لا يَكَادُ القَارِئُ يَرَى فِيهِ شَرْحًا لِعَالِمٍ عَلَوِيٍّ أَو تَعْقِيبًا أَو رَأْيًا؟.
لَقَدْ كَانَ لِعُلَمَائِنَا مِنَ التَّأَلُّقِ فِي سَمَاءِ العِلْمِ مَا تَشْهَدُ بِهِ آثَارُهُم وَتُنْبِئُ عَنْهُ أَخْبَارُهُم، وَمِنَ الحُضُورِ مَا لا يَزَالُ التَّارِيخُ شَاهِدًا عَلَى قُوَّتِهِ وَدَالاًّ عَلَى عَظَمَتِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ مِنْ كَلِمَاتِهِم مَا إِذَا قَرَأَهُ قَارِئٌ اسْتَحَى أَنْ يَقُولَ: إِنِّي أُمَثِّلُ غَيرِي أَو أَنُوبُ عَنْهُ، وَمِنْهَا:
1- قَولُ الشَّيخ سُلَيمَان أَحْمَد: ((أَبْرَأُ إِلَى اللهِ وَإِلَيكُم مِنْ دَعْوى العِلْمِ إِلاَّ ذَرْوًا مِنَ العَقْلِ نَصُونُ بِهِ كَرَامَتَنَا عَنِ الامْتِهَانِ..))1
2- قَولُ الشَّيخُ عَبد اللّطِيف إِبْرَاهِيم -عَلَى كَثْرَةِ مُرِيدِيهِ- : ((هَلْ يُوْجَدُ عِنْدَنَا فِي الأَقْضِيَةِ المَذْكُورَةِ مَنْ يُمَثِّلُ قَضَاءَهُ تَمْثِيْلاً صَحِيْحًا صَرِيْحًا ـ اللَّهُمَّ إِلاَّ إِذَا كُنْتُم أَنْتُم ـ أَمَّا أَنَا فَلا أَسْتَطِيْعُ أَنْ أُمَثِّلَ قَرْيَتِي فَضْلاً عَنْ غَيْرِهَا.)).
3- قَولُ الشَّيخ عَلِيّ حَمْدَان عِمْرَان ((1881 - 1945م)):
فَتَأَمَّلْ مَنْطِقَ العُلَمَاءِ.
- 20 مشاهدة