التَّعْقِيبُ الوَاحِدُ عَلَى عِبَارَة
(( نُخْبَةٍ مِنْ مَشَايِخِ العَلَوِيِّينَ ))
بَيَانُ التَّعْقِيبِ
إِذَا وَقَفَ القَارِئُ عِنْدَ لَفْظَةِ ((نُخْبَةٍ)) لَمَحَ فِيهَا أَمْرَينِ:
- أَحَدَهُمَا: تَفْضِيلَ المَوصُوفِ بِهَا عَلَى جَمِيعِ مَشَايِخِ العَلَوِيِّينَ، وَذَلِكَ لأَنَّ النُّخَبَةَ فِي اللُّغَةِ: خِيَارُ القَومِ وَالمُنْتَقَونَ مِنْهُم.
- وَالآخَرَ: إِنَابَةَ المَوصُوفِ بِهَا عَنِ العَلَوِيِّينَ كَافَّةً.
وَهَلْ يَصِحُّ أَنْ يَنُوبَ عَنْكَ رَجُلٌ لا تَعْرِفُ اسْمَهُ؟.
أَتَسْمَحُ قَوَاعِدُ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ بِحَذْفِ الفَاعِلِ قَبْلَ إِقَامَةِ المَفْعُولِ بِهِ مَقَامَهُ؛ لِيَتَسَنَّى للقَارِئِ أَنْ يَعْرِفَ المَقْصُودَ مِنَ الجُمْلَةِ؛ فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ مَنْ وَقَعَ مِنْهُ الفِعْلُ، عَرَفَ مَنْ وَقَعَ عَلَيهِ.
وَإِذَا لَمْ تُصَرِّحِ اللُّغَةُ بِاسْمِ الفَاعِلِ، صَرَّحَتْ بِاسْمِ المَفْعُولِ بِهِ، فَإِنْ عَدِمَ هَذَا لَمْ يَهْتَدِ القَارِئُ إِلَى فَهْمِ مَا جَرَى.
أَمَا كَانَ الأَولَى أَنْ يَقْتَفِيَ القَومُ أثَرَ القُرْآنِ فِي تَعْرِيفِ القَارِئِ عُنْصُرًا مِنْ عَنَاصِرِ هَذَا الحَدَثِ؛ حَدَثِ انْتِخَابِ جَمَاعَةٍ مَا لِتَأْلِيفِ كِتَابٍ يُعَبِّرُ عَنْ مَذْهَبِ طَائِفَةٍ بِأَسْرِهَا؟. فَإِنْ لَمْ يُعَرِّفُوكَ المُنْتَخِبَ عَرَّفُوكَ المُنْتَخَبَ؟.
أَفَلا فَاعِلٌ وَلا مَفْعُولٌ وَلا مَعْلُومٌ وَلا مَجْهُولٌ؟.
قَالَ تَعَالَى: وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُۥ سَبْعِينَ رَجُلًۭا لِّمِيقَـٰتِنَا ۖ فَلَمَّآ.[سورة الأعراف 155] فَصَرَّحَ بِاسْمِ نَبِيِّهِ مُوسَى؛ فَعَرَفَ القَارِئُ فَاعِلَ الحَدَثِ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ أَسْمَاءَ مَنْ وَقَعَ عَلَيهِم حَدَثُ الاخْتِيَارِ.
أَمَّا فِي هَذَا الكِتَابِ، فَلا تَصْرِيحَ بِاسْمِ المُنْتَخِبِ، وَلا بِأَسْمَاءِ المُنْتَخَبِينَ، وَالكِتَابُ الّذِي لا يُعْرَفُ اسْمُ مُؤَلِّفِهِ وَلا اسْمُ مَنْ كَلَّفَهُ الكِتَابَةَ، تَصِفُهُ العَرَبِيَّةُ بِالغُفْلِ، فَتَقُولُ: ((كِتَابٌ غُفْلٌ: لَمْ يُسَمَّ وَاضِعُهُ))1 .
قَالَ تَعَالَى: وَإِذْ أَسَرَّ ٱلنَّبِىُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَٰجِهِۦ حَدِيثًۭا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِۦ وَأَظْهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُۥ وَأَعْرَضَ عَنۢ بَعْضٍۢ ۖ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِۦ قَالَتْ مَنْ أَنۢبَأَكَ هَـٰذَا ۖ قَالَ نَبَّأَنِىَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْخَبِيرُ. [سورة التّحريم 3].
فَيَا سُبْحَانَ اللهِ. أَيُسْأَلُ رَسُولُ اللهِ عَمَّنْ أَنْبَأَهُ؛ فَيُجِيبَ: نَبَّأَنِي العَلِيمُ الخَبِيرُ، ثُمَّ يُوضَعُ كِتَابٌ فِي عَقِيدَةِ طَائِفَةٍ، لا تَعْرِفُ وَاضِعَهُ؟؟؟.
إِذَا كَانَ الكِتَابُ مُخَصَّصًا للعَلَوِيِّينَ، فَإِنَّ أَوَّلَ مَا يَحْتَجُّ بِهِ المُسْلِمُ العَلَوِيُّ عَلَى تِلْكَ النُّخَبَةِ؛ أُمُورٌ، مِنْهَا: جَهْلُ المُؤَلِّفِ، وَوَضْعُ العِلْمِ عَنِ المَجْهُولِ، وَإِفَادَةُ هَذَينِ عُذْرَ المُكَلَّفِ.
- جَهْلُ المُؤَلِّفِ
وَحُجَّتُهُ: أَنَّهُ كِتَابٌ دَاخِلٌ فِي بَابِ المَجْهُولِ الّذِي لَمْ يُكَلَّفِ اتِّبَاعَهُ، وَدَلِيلُهُ قَولُهُ تَعَالَى: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ ۚ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُو۟لَـٰٓئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْـُٔولًۭا. [سورة الإسراء 36].
- وَضْعُ العِلْمِ
وَحُجَّتُهُ: أَنَّ الخَالِقَ (جل جلاله) إِذَا حَجَبَ عَنْ عِبَادِهِ أَمْرًا وَضَعَهُ عَنْهُم، وَدَلِيلُهُ عَلَيهِ قَولُ الإِمَامِ الصَّادِقِ : ((كُلُّ مَا حَجَبَ اللهُ عَنِ العِبَادِ فَمَوضُوعٌ عَنْهُم حَتَّى يُعَرِّفَهُمُوهُ.))2 .
- إِفَادَةُ العُذْرِ
وَلَهُ أَرْبَعُ حُجَجٍ:
الحُجَّةُ الوَاحِدَةُ: إِذَا كَانَ عِلْمُ المُكَلَّفِ شَرْطًا فِي وُجُوبِ التَّكْلِيفِ، وَأَفَادَ جَهْلُ الإِنْسَانِ عُذْرَهُ فِي الإِهْمَالِ؛ فَإِنَّ الكِتَابَ مَوضُوعٌ عَمَّنْ وُجِّهَ إِلَيهِم.
الحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: إِذَا كَانَ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ مَا يَسَعُ النَّاسَ جَهْلُهُ، عَلَى مُقْتَضَى قَولِ أَمِيرِ المُؤمِنِينَ عَلِيٍّ أَنَّهُ ((بَينَ مَأْخُوذٍ مِيثَاقُ عِلْمِهِ، وَمُوَسَّعٍ عَلَى النَّاسِ فِي جَهْلِهِ)).3
؛ فَالأَولَى أَنْ يَكُونَ فِي غَيرِهِ مِنْ أَمْثَالِ هَذَا الكِتَابِ.
وَلَقَدْ رَفَعَ أَعْلامِ الفِكْرِ العَلَوِيِّ عَلَى هَذِهِ الأُصُولِ قَاعِدَةَ ((اشْتِرَاطِ صِحَّةِ التَّكْلِيفِ بِعِلْمِ المُكَلَّفِ))، وَمِنْهُ قَولُ الشَّيخ عَبد اللّطِيف إِبرَاهِيم ((1903 - 1995م )):
وَهَنِيئًا للجَاهِلِ المَعْذُورِ السَّلامَةُ مِنَ المَزَالِقِ وَالنَّجَاةُ مِنَ العَذَابِ.
الحُجَّةُ الثَّالِثَةُ: الرِّيبَةُ الّتِي تُجِيزُ سُوءَ الظَّنِّ، بِدَلِيلِ قَولِ الإِمَامِ الصَّادِقِ : ((مَنْ وَقَفَ نَفْسَهُ مَوقِفَ التُّهْمَةِ فَلا يَلُومَنَّ مَنْ أَسَاءَ بِهِ الظَّنَّ..))5 .
الحُجَّةُ الرَّابِعَةُ: خُلُوُّ عُنْوَانِ الكِتَابِ مِنْ أَسْمَاءِ السَّابِقِينَ مِنْ عُلَمَاءِ العَلَوِيِّينَ، وَذَلِكَ يَعْنِي انْفِصَالَ قَارِئِهِ عَنْ تُرَاثِهِ وَبِيئَتِهِ؛ وَكُلُّ أَثَرٍ لا يُبْنَى عَلَى المَاضِي يَقْطَعُ صِلَةَ المُعَاصِرِ بِأُصُولِهِ الفِكْرِيَّةِ.
وَلِذَلِكَ رَأَى أَعْلامُنَا وُجُوبَ اتِّصَالِ الحَاضِرِ بِالمَاضِي؛ لِئَلاَّ يُصْبِحَ انْتِمَاءُ العَلَوِيِّ طَارِئًا عَلَيهِ، وَمِنْهُ قَولُ الدكتور عَلِيّ سُلَيمَان الأَحْمَد: ((إِنَّ مَرْكَزَ العَلَوِيَّةِ فِي تَارِيخِنَا المُعَاصِرِ يَجِبُ أَنْ يَبْقَى مُرْتَكِزًا عَلَى مَاضِيهَا، وَمُسْتَمَدَّاً رُوحُهُ مِنْ عَنَاصِرِ هَذَا المَاضِي..)).
وَذَلِكَ أَنَّهُ وِرَاثَةٌ كَرِيمَةٌ؛ تَصِلُ الخَلَفَ بِالسَّلَفِ، وَمِنْهُ قَولُ الشَّيخ حُسَين سَعّود:
- 1تاج العروس من جواهر القاموس.
- 2تُحَفُ العُقُولِ عَنْ آلِ الرَّسُولِ، حِكَمٌ وَمَوَاعِظُ للإِمَامِ الصَّادِقِ (ع)، ص 269.
- 3شَرح نهج البلاغة مج1\93. (1) مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ فِي ابْتِدَاءِ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ...
- 4التراث الأدبي للعلاّمة الشيخ عبد اللطيف إبراهيم 1\347.
- 5تُحَفُ العُقُولِ عَنْ آلِ الرَّسُولِ، حِكَمٌ وَمَوَاعِظُ للإِمَامِ الصَّادِقِ (ع) ص271.
- 69 views